الإثنين، 18 كانون1/ديسمبر 2017

board

محنة شجرة ..!

> أن تصير معْلَماً يزوره من الناس من يعرفه، فإن شجرة التبلدي التي خلَّدها شاعرنا الكبير المرحوم المعلم جعفر محمد عثمان في مدينة الدلنج بقصيدته الشهيرة التي كتبها عام ١٩٦٩م، عقب نقله من معهد التربية الدلنج إلى بخت الرضا بالدويم،

تقف شاهدة على خلو وفاض ذاكرتنا الجمعية ووجدان الأجيال اللاحقة التي لم تقرأ قصيدة (تبلدية) في الصف الثالث الثانوي، حيث كان مقرراً دراسياً قبل أن تكشط من المنهج التعليمي، وتحافظ فقط على لمعانها ورونقها وبهاء نصها في أفئدة وقلوب من حفظوها وعاصروها وهي نابضة بالحياة أيام كانت تزهو في كتاب الدب والنصوص للفصل النهائي المختتم للمرحلة الثانوية.
> يوم الثلاثاء الماضي، ونحن مجموعة من الصحافيين والإعلاميين، ندخل عصراً مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، في طريقنا الى كادقلي، تملأ أنفسنا مشاعر مضطربة وتشهق أرواحنا من المواجد والشحن حين أخذنا دليلنا في الرحلة الى جامعة الدلنج التي كانت في السابق معهد التربية الدلنج التاريخي الذي تخرَّج منه أفذاذ المعلمين السودانيين وعمل به رواد التعليم في بلادنا.. صف طويل من السيارات تتابع خلف سياراتنا، ونحن نعبر مباني المعهد القديمة العريقة بطرازها الفيكتوري المهيب، والمباني لمْ تزل متماسكة قوية شاخصة، تبعث في النفس أشجاناً وتبرق فيها أضواءً من ماضٍ حبيب .
> توقفت بِنَا العربة أمام منزل قديم من بيوت المعملين وهو الآن من جملة البيوت التي خصصت لأساتذة جامعة الدلنج وكبار موظفيها، تم استئذان ساكن المنزل، وبعد دقائق من الانتظار وهدير السيارات لا يهدأ سمح لنا بالدخول الى المنزل الذي كان يسكنه شاعرنا الكبير جعفر محمود عثمان قبل أكثر من خمسين سنة وغادره عام١٩٦١م .
> مساحة المنزل تقارب الثمانمائة متر مربع او تزيد، في وسط هذه المساحة يوجد البناء وهو عبارة عن ثلاث غرف إحداها صالون متراصة في شكل واحد والسقف المخروطي من الزنك يغطيها كقبعة سحرية قديمة. حول المبنى ثلاث فناءات واسعة من الجهتين الشمالية والجنوبية في جهة الغرب ممر فسيح بينما الفناء الشرقي أوسع قليلاً وفيه تنتصب وتشمخ شجرة التبلدي المخضرة الوارفة .
> وقفنا نتأملها .. شجرة متوسطة الحجم قياساً بأشجار التبلدي، مخضرة الأوراق كثيفتها وهي خاصية التبلدي في فصل الخريف، لديها جزوع خارج الأرض ممتدة على سطح الأرض كأنها تمد أرجلها الى المكان الذي كان يجلس فيه دائماً الشاعر أمام باب الصالون كعادته في سنوات عمره الغض في الدلنج .
> لا أدري .. كأن هذه التبلدية أحست وشعرت بأكثر من خمسة وعشرين شخصاً يقتربون منها يتحسسون جذعها ويتفرسون في ملامحها وينظرون إليها في حب وشوق ورهبة ، لعلها تذكرت صباها ، أيام كانت أكثر نضارة والشاعر نضوا كأنه صيغ من رهو السحاب ، لو اقتربت منها يخيل إليك أنك تسمع لهفتها وخفقان دواخلها وفروعها وبكاء قلبها الخشبي المجوف، وتحس وتسمع أنفاسها من كتبها قصيدة أحبها وأحبته، اشتاق إليها في غربته منها وهو في الدويم فكتب رسالته إليها ومناجاته لها وكتب اسمها ورسم رسمها في دفاتر الزمن وطبع صورتها في أذهان أجيال من السودانيين .
> في صمتها ألف معنى ومعنى، وفِي اخضرار أغصانها وأوراقها، سر الحياة وهي تقول إن الحياة تمضي وإن ذهب الأحباب، فإكسير الحياة هو الوفاء والبقاء على أهبة اللقيا وانتظار محبوب بعيد ومرغوب سيؤوب يوماً ما ..
> لعل الفروع التي تعالت وطالت من بنت التبلدي هذه ، تحدق في الأفق البعيد تنتظر ملامح جعفر محمد عثمان العائد ربما وكما تظن، وحقائبه محملة بالقصيد والشعر الرقيق ..
> كأنها ارتدت أجمل ثيابها وقد اغتسلت بماء المطر وزاد التماع ثوبها الأخضر ووضعت زهرة بيضاء على خصلات شعرها والريح تعبث بذؤاباتها وهي تنتظر .. وتنتظر .
ﺫِﻛْﺮَﻯ ﻭَﻓَﺎﺀٍ ﻭﻭﺩِ.. ﻋِﻨﺪِﻱ ﻟﺒِﻨْﺖ ﺍﻟﺘَﺒﻠْﺪﻱ
ﻓﻲ ﻛُﻞِ ﺧَﻔْﻘﺔِ ﻗﻠْﺐٍ.. ﻭﻛﻞِ ﺯَﻓْﺮﺓِ ﻭَﺟْﺪِ
ﻓﻴﺎْ ﺇﺑﻨَﺔ ﺍﻟﺮَّﻭﺽِ ﻣَﺎﺫﺍ.. ﺟَﺮَﻯ ﻟﻤَﻐْﻨَﺎﻙِ ﺑَﻌْﺪﻱ ؟
ﻣﺎ ﺯﻟْﺖِ ﻭﺣْﺪَﻙِ ﺇﻟْﻔﻲ.. ﻳﺎ ﻟَﻴﺘﻨﻲ ﻟَﻚِ ﻭﺣْﺪﻱ ؟
ﻫﻞْ ﺗﺬﻛُﺮﻳﻦ ﻋُﻬﻮﺩﺍً.. ﻗﺪ ﻋﺸﺘُﻬﺎ ﻓﻲ ﺟَﻨَﺎﺑِِﻚْ ؟
ﻭﻫَﻞْ ﺷَﺠَﺎﻙ ﻏﻴﺎﺑﻲ.. ﺇﻧﻲ ﺷﺞٍ ﻟِﻐﻴﺎﺑِﻚْ ؟
ﻣَﺎ ﺯﻟْﺖُ ﻓﻲ ﺍﻟﺒُﻌْﺪِ ﺃﺣْﻴﺎ.. ﻛﺄﻧّﻨﻲ ﻓﻲ ﺭﺣَﺎﺑِﻚْ
ﻫﺬﺍ ﺷﺒﺎﺑﻲ ﻳَﻮﻟّﻲ.. ﻓﻜَﻴﻒَ ﺣﺎﻝُ ﺷﺒﺎﺑِِﻚْ ؟
ﻻ ﺗَﺤْﺰَﻧﻲ ﺇﻥْ ﺗﻌَﺮَّﺕْ.. ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻤﺼﻴﻒِ ﻓُﺮﻭﻋُﻚْ
ﺃﻭ ﺇﻥْ ﻳﺒﺴْﺖِ ﻓﺒﺎﻧﺖْ.. ﻣِﻦْ ﺍﻟﺬُﺑﻮﻝِ ﺿُﻠﻮﻋُﻚْ
ﻓﺪﻭﻥَ ﻣﺎ ﺭَﺍﻉ ﻗَﻠْﺒﻲ.. ﻣِﻦْ ﺍﻷﺳَﻰ ﻣﺎ ﻳﺮﻭﻋُﻚْ
ﺃﻧﺎ ﻟَﻦْ ﻳَﻌﻮﺩَ ﺭﺑﻴﻌﻲ.. ﻟَﻜِﻦْ ﻳَﻌﻮﺩُ ﺭﺑﻴﻌُﻚْ.
ﻳﺎ ﺭُﺏَ ﺻَﻴﻒٍ ﺗَﺠﻨّﻰ.. ﻋَﻠﻰ ﺑﺪﻳﻊِ ﺟﻤَﺎﻟﻚْ
ﻭﺃﺷّْﻌَﻞَ ﺍﻟﺘﺮﺏُ ﺷَﻮﻗﺎً.. ﺇﻟﻰ ﻭَﺭﻳﻒ ﻇِﻼﻟِﻚْ
ﺃﺑْﻠﻰ ﺷَﺒﺎﺑﻚ ﻟَﻜﻦْ.. ﺯﺍﺩَ ﺍﻟﺒِﻠﻰ ﻣِﻦْ ﺟَﻼﻟِﻚْ
ﻭﻣِﻦْ ﻏُﺼﻮﻧِﻚِ ﻛَﻒّ.. ٌ ﺭﻓَﻌْﺘِﻬﺎ ﻓﻲ ﺇﺑْﺘِﻬَﺎﻟِﻚْ.
ﻭﺟَﺎﺀ ﻋﻴﺪُﻙ ﻃَﻠْﻘﺎً.. ﻟﻪ ﺇﺑْﺘﺴَﺎﻡُ ﺍﻟﺒَﺸﻴﺮِ
ﻳَﺘﻴﻪُ ﺣُﺴْﻨﺎً ﻭﻳَﺰْﻫﻮ.. ﻓﻲ ﻣﻮْﻛِﺐٍ ﻣِﻦْ ﺯﻫﻮﺭِ
ﻭﺃﺻْﺒَﺢَ ﺍﻟﻜﻮﻥُ ﺭﻭْﺿَﺎً.. ﻣُﻀَﻤّﺨﺎً ﺑﺎﻟﻌَﺒﻴﺮِ
ﻓﻜُﻨﺖِ ﻋَﺬﺭﺍﺀ ﺯﺍﻧَﺖْ.. ﻋُﺮْﺱ ﺍﻟﻮﺟُﻮﺩ ﺍﻟﻜَﺒﻴﺮِ
ﻳﺎ ﺇﻟْﻒَ ﺭُﻭﺣِﻲَ . ﺭُﻭﺣِﻲْ.. ﻓﻲ ﻟَﻬْﻔﺔٍ ﻟﻠﺘَﻼﻗﻲ
ﻭﻟَﺴﺖُ ﻣﺎ ﻋﺸْﺖُ ﺃﺳﻠُﻮ.. ﺗﺬﻛّﺮﻱ ﻭﺇﺷﺘﻴﺎﻗﻲ
ﻛﺄﻧﻤﺎ ﻛُﻨﺖِ ﻏََﺮْﺳَﺎً.. ﺑﻘﻠْﺒﻲ ﺍﻟﺨَﻔّﺎﻕِ
ﻓﻬَﻞْ ﻟﻨﺎ ﻣﻦْ ﺗﺪﺍﻥٍ.. ﻣﻦْ ﺑﻌﺪِ ﻃُﻮﻝِ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕِ ؟