الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

board

 أصبح عندي الآن بندقية !!..

(أ)
في مفتتح السنوات السبعين من القرن الماضي، الحياة لم تكن هذي الحياة، والناس غير الناس، والأرض مرْكِبة تشق الغيب صوب مجاهل الغيب البعيد، لم تكن الدنيا إلا ذاك البريق الدافق العجيب النابع من قلوب العالمين الصافية في تلك البقاع من دارفور حين كانت مدينة ( زالنجي ) مهوى الأفئدة ومحط الرحال والنجوم،

زهرة تعيش في حمأة الواقع الصاخب بالآمال، وأقحوانة على درب الزمان يفوح شذاها ويضوع عطرها كعروس في ليلة زفافها..
 في يوم من أيام يونيو والخريف قد طرق الأبواب واحتل مكانه وبدأت الأمطار تنهمر والديان تسيل تملأ الأباطح والوهاد، عاد في ذلك اليوم -ونحن لم ندخل المدرسة الابتدائية بعد- والدي رحمه الله من رحلة شاقة بالدواب، حملته الى إحدى الأقاصي البعيدة جنوب غرب مدينة زالنجي، لم يكن متيسراً السفر إليها إلا بالدواب في تلك الأيام الزاهيات، وكان (مولانا إبراهيم الرزيقي ) معلماً معروفاً في دارفور، ويعمل في التعليم المتوسط آنذاك والمعاهد العلمية الدينية بزالنجي، له معارف وأصدقاء كُثْر في تلك الأنحاء، توثَّقت بهم الروابط وعمرت معهم الصلات.
عاد في ذلك اليوم ورأيناه من بعيد من فناء فسيح خلف بيوت المدرسة الأميرية المتوسطة وهي جامعة زالنجي الآن، وهو يشق الطريق العشبي المتعرج على ظهر دابته طالعاً من الطرف الشرقي لخور ضخم هو جزء من وادي ( اريبو )، واضعاً أمامه شيئاً ملفوفاً لم نتبينه من بعيد، ولما كان غائباً ليومين وليلتين، لم نكترث كثيراً للسلام والتحايا،بل هرعنا نركض إلى داخل المنزل بلفة المشوق المستهام لنعرف ما الشيء الغريب الذي كان يحمله وينزله في رفق .
(ب)
 أهدى أحد زعماء الإدارة الأهلية -وهو صديق للوالد وأظنه بعد كل هذه السنوات إما الشرتاي ( أرباب حمد شطة ) أو ( الشرتاي زروق -) أهداه هدية قيمة هي عبارة عن بندقية ( أب خمسة ) تشيكية الصنع صنعت في العام 1957 م من القرن الماضي، مخصصة للصيد وأعمال القناصة ولها منظار مكبر ومأسورة طويلة ودبشك خشبي لامع جميل، وفي مقدمة ماسورتها (ذبابة- ضبانة ) لضبط التنشين اذا استعملت دون المنظار المقرب للصورة، بندقية طويلة فخيمة رشيقة، ومعها صندوق متوسط الحجم يتحوي كل أدوات نظافتها وزيوت متنوعة للتنظيف، ثم علب أخرى فيها الذخيرة وأظنها من العيارات الكبيرة المخصصة لصيد الفيل والحيوانات الضخمة، وتوجد من نفس الذخيرة نوع له رأس من مادة تشبه (القصدير) تسبب الحريق اذا أطلق في غابة او عشب جاف او قصب القطاطي، لها جراب او بيت مصنوع من مادة تشبه المشمع السميك بلونين مختلفين الأخضر الفاتح والبني الغامق، توجد فتحة صغيرة في وسط الجراب يخرج منها جزء من البندقية المسمى ( الترباس ). منذ دخولها منزلنا عاشت تلك البندقية كملكة متوجة خُصص لها مكان خاص بعيداً عن أيادي أفراد الأسرة فوق رؤوس الدولايب او عُلقت في مكان عالٍ لا تصله الأيادي على مسمار دُقَّ أعلى الجدار قريب من السقف.
كانت تُحظى بنظافة دورية ولا تخرج من جرابها ومخبئها ومرقدها، إلا أيام الجمع العطلات الرسمية، فتوضع بعناية فائقة وتنظف بدقة وتزيَّن بزيتها فتتلامع شهباء كفتاة إفريقية من قبيلة محاربة في عهد سحيق ..
وكان ترخيصها في شرطة زالنجي ويومها حكى نقيب شرطة الطيب عبد الرحمن مختار المسؤول من مركز شرطة المدينة إنه تم استدعاءه الى رئاسة الشرطة لمديرية دارفور وقابل قومندان الشرطة هناك برتبة العقيد، وسأله السؤال التالي :
« من تلاتة شهور ليه ما سجل مركز الشرطة بزالنجي أي بلاغ جنائي..؟ ولماذا لم تستهلكوا الوقود وبقية المستلزمات والاحتياجات الأخرى ..؟
وكان رد النقيب يومها والفريق المتقاعد حالياً :
« لا تود أية جرائم جنائية ولا حوادث قتل ولا مشاجرة او سرقة او نهب، للسب دا لا توجد بلاغات ولم يبلغ أحد، ومع أنه مافي حوادث لم نحرك أي قوة او عربة إلا في الطوافات العادية الروتينية وعشان كده وقودنا متوفر وكل احتياجاتنا لم نستهلك منها الكثير!!.
(ت)
 انتقلت معنا تلك البندقية التي لم تستخدم قط في أية مناسبة، إلى مدينة نيالا عندما نقل الوالد لكلية معلمات نيالا النائشة يومئذ في ذلك الحين عام1975، كانت أحد أهم أفراد الأسرة يوم رحيلنا من زالنجي وكان السفر باللواري السفرية، كان جوار الوالد والوالدة في المقاعد الأمامية للوري ، لم تركب معنا في الخلف، وضعها السائق في مكان مخصص خلف المقاعد في كابينة القيادة يسمى ( السَبْت ) يضع فيه سائق اللوري أشياءه الشخصية الخاصة مثل البطارية والسكين الصابون ومعدات حلاقة وأحذية خفيفة وبعض المتعلقات المهمة التي لا تترك خارج كابينة القيادة. عندما توقفت السيارة للمبيت في منطقة ( كرولي ) ليلاً أنزلت لتكون قريبة وفي متناول اليد وتحت الحماية والمراقبة، ثم عاشت معنا بقية العمر في مدينة نيالا، وكبرنا معها، لم نرها إلا في أيام زينتها حين تخرج للنظافة وهي في حصنها الحصين، ولا نذكر لها مهمة رسمية قامت بها هذه البندقية الصامتة الحرون، إلا عندما استعارها أحد أبناء عمومة الوالد من أبرز رجال الإدارة الأهلية وأظنه المرحوم الناظر سعيد محمود موسى مادبو وكانوا في رحلة صيد عند تخوم بحر العرب وداخل غابات مناطق بحر الغزال في العام 1979م، ومن رحلتها تلك وخروجها للعلن لم تخرج قط من خبائها الذي يشبه خباء العامرية، باتت مقيمة في خدرها، نؤوم ضحى وحبيسة مهجع .
(ث)
 ألهمتنا تلك البندقية ووجودها معنا عزيزة مكرَّمة بعض الأفكار الصبيانية نتيجة تأثير السينما وأفلام الكاوبوي و( الوسترن ) والأفلام الحربية، لكن أهم إلهام منتج ومثمر، إننا في إحدى الجمعيات الأدبية في مدرسة نيالا الأميرية المتوسطة، قدمنا قصيدة نزارقباني التي غنتها سيدة
الغناء العربي (أم كلثوم) ولحنها لها الفنان المصري محمد عبد الوهاب، ثم غناها هو بعدها ( أصبح الآن عندي بندقية )، وهي قصيدة للشاعر العربي الكبير أبدعها عقب النكسة والهزيمة المرة في حرب1967م وفيها انتصار للقضية الفلسطينية وانحياز للكفاح المسلح ونضال الشعب الفلسطيني الصابر، كنا نباهي بعضنا في تلك السنوات وفي المدرسة المتوسطة بامتلاك آبائنا للبنادق، فحلمنا بتحرير فلسطين ببنادقنا تلك، وكانت الآمال والأحلام الصغيرة تتوامض كبرق او كلمع الرصاصات الحبيسة في صناديق بندقيتنا المُعلَّقة أعلى الغرفة وفوق الدولايب الخشبية العتيقة..
وتقول قصيدة نزار قباني :
أصبح عندي الآن بندقية
إلى فلسطين خذوني معكم
إلى ربىً حزينة
كوجه المجدلية
إلى القباب الخضر
والحجارة النبيَّة
عشرون عاماً وأنا أبحث عن أرضٍ وعن هوية
أبحث عن بيتي الذي هناك
عن وطني المحاط بالأسلاك
أبحث عن طفولتي
وعن رفاق حارتي
عن كتبي
عن صوري
عن كل ركن دافئٍ
وكل مزهرية
إلى فلسطين خذوني معكم يا أيها الرجال
أريد أن أعيش أو أموت كالرجال
أصبح عندي الآن بندقية
قولوا لمن يسأل عن قضيتي
بارودتي صارت هي القضية
أصبح عندي الآن بندقية
أصبحت في قائمة الثوار
أفترش الأشواك والغبار
وألبس المنيّة
أنا مع الثوار
أنا من الثوار
من يوم أن حملتُ بندقيتي
صارت فلسطين على أمتار
يا أيها الثوار
في القدس
في الخليل
في بيسان
في الأغوار
في بيت لحمٍ
حيث كنتم أيها الأحرار
تقدموا .. تقدموا ..
إلى فلسطين طريق واحد
يمر من فوهة بندقية
(ج)
بندقيتنا منذ وفاة الوالد رحمه الله عام1982م، ظلت قابعة في مكانها، نقوم بترخيصها كل عام، بالرغم من أنها صارت من أيقونات الماضي الزاهي الجميل، وتحفة من تحف التاريخ، إلا أنها شاهدة عصر، كأنها عرفت منذ الوهلة الأولى أن فوهتها ليست موجهة الى صدر أحد من أبناء الوطن، عاشت شبه عذراء لم تنطلق منها رصاصة لتنشر الذعر والخوف، او ارتعدت منها فرائص الأبرياء، وظلت في مكانها ترقب الموت الذي نشره السلاح في دارفور، فأخواتها من البنادق الحديثة والمدافع الرشاشة والدوشكا والآر بي جي التي لم تكن وهي في شبابها الباكر لا توجد إلا في مخازن الجيش والقوات النظامية، رأتها وعايشتها في أيدي الناس تحصد الأرواح وتيتِّم الأطفال وترمِّل النساء وتُثكِّل الأمهات وتنشر الخراب والدمار في كل مكان ..
 تشهق هذه البندقية عندما تتذكر السلاح التقليدي ( تجتجي ) المصنوع محلياً الذي لم يكن يتقاتل به الناس في دارفور ولا يعرفونه إلا في رحلات صيد الغزلان والأرانب او يُطلق في الأعراس والأفراح .. ما يقارب الخمسين سنة والبندقية باقية .. لم تتجه فوهتها نحو فلسطين كما حلمنا ونحن صغار نحلم بها رفيقة نضال وكفاح، ولم تصوَّب نحو صدر بريء .. رغم ذلك ستذهب الى تاريخها وماضيها .. رمزاً لعهد مضى وواقع بائس ومستقبل زاهر بلا سلاح ..

الأعمدة

د. عارف الركابي

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

خالد كسلا

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

بابكر سلك

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

عبدالمحمود الكرنكي

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

محمد عبدالماجد

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

الصادق الرزيقي

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

كمال عوض

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

خالد كسلا

الأربعاء، 13 كانون1/ديسمبر 2017

د. حسن التجاني

الأربعاء، 13 كانون1/ديسمبر 2017

بابكر سلك

الأربعاء، 13 كانون1/ديسمبر 2017

كمال عوض

الأربعاء، 13 كانون1/ديسمبر 2017