الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

ترشيح البشير

> يحسب للشرتاي عمر قندولي عضو المجلس الوطني ورئيس الإدارة الأهلية بمنطقة شطاية بجنوب دارفور، أنه أول من اعتلى المنبر وأعلن عن ضرورة ترشيح الرئيس عمر البشير لدورة رئاسية جديدة تبدأ في 2020م،

في اللقاء الجماهيري الحاشد بشطاية يوم (21) من سبتمبر الماضي، ثم بعده انهمر الحديث من هنا وهناك سواء كان في وسائل الإعلام أو كان حديث مجالس، كما أشار الدكتور نافع علي نافع في حواره مع صحيفة (الرأي العام) أمس، فما يدور في المجالس في الغالب يتحول إلى حقيقة تزحف إلى داخل مؤسسات الحزب وتصبح تياراً ثم خياراً... ولا خيار غيره، ويبدو أن المؤتمر الوطني بدأ بالفعل في ترتيب أوضاعه لمرحلة ما بعد 2020م، سواء أعلن ذلك رسمياً أو لم يُعلن، والصورة ليست وردية بالكامل كما يقول البعض ممن يحسنون الظن، ومنهم الدكتور نافع الذي خبر الحزب ويعرفه معرفة دقيقة، فقد كان على قمته يديره وهو أدرى بتركيبته واتجاهاته والمزاج العام داخله، فليس بصحيح على الإطلاق أن الحزب اليوم صامت مطبق الشفاه عن مسألة الانتخابات المقبلة، فهناك تفاعلات كبيرة وسط مؤيدي المؤتمر الوطني وقواعده وقوى المجتمع الأخرى تتعامل بواقعية مع الظروف الجديدة الناشئة بعد رفع العقوبات الأمريكية عن البلاد، وتنظر إلى الأفق السياسي المفتوح للتسوية الشاملة بين كل الفرقاء السودانيين.
> مسألة ترشيح البشير من عدمها، تحركها معطيات في الساحة السياسية لا بد من التعامل معها بوضوح وتصارح، ويجب أن تجرد من رغبة البشير في التنحي وإعلانه ذلك مراراً، فمصلحة البلاد ثم الحزب فوق أي اعتبار آخر، وإذا نظرنا للدفوع التي تقدم تبريراً لبقاء البشير بأنه ضمانة لسلامة الحزب من الاحتراب حول الخلف من بعده، بظهور مراكز قوة ومتصارعين لخلافته سيتسببون في تفرق المؤتمر الوطني أيدي سبأ، تظل حتى اللحظة دفوعاً مقنعة وفيها منطق سليم وتستحق مناقشتها بهدوء وعقل مفتوح.. بينما يرى تيار آخر وسط قواعد الحزب وبعض قياداته أن البشير قدم ما عنده وتحمل ما لا يطيقه بشر طيلة الثماني والعشرين سنة الماضية، وسار والبلاد كلها على ظهره وسط الأشواك والأنواء والألغام من ابتلاء لآخر وأعطى كل ما عنده، وآن له أن يترجل ويستريح كمحارب فذ عنيد.
> وثمة سؤال يطرح بقوة... وهو سؤال ينتزع مشروعيته وجدواه من التطورات السياسية التي تجري في البلاد بعد الحوار الوطني وسيادة روح التوافق.. هل تقديم مرشح ليكون رئيساً للجمهورية في المرحلة المقبلة التي تبدأ في 2020م هو قرار يمتلكه المؤتمر الوطني وحده؟ أم أن هناك قوى وتنظيمات وتيارات ومكونات سياسية واجتماعية لها الحق في أن تتشارك مع المؤتمر الوطني وتتوافق معه على قرار مصيري كهذا؟ كما أن هناك مؤسسات في الدولة لها دورها وواجبها في حفظ التماسك الوطني مثل القوات المسلحة التي لها رأيها.. فهل هؤلاء جميعاً ينتظرون فقط أن يخرج عليهم المؤتمر الوطني ذات صباح بقرار نهائي دون تشاور أو استئناس واستمزاج؟
> واقع الحال بالطبع يشير في اتجاه معاكس لتنحي البشير، فهو نمط من قيادة باتت نادرة ومفقودة ليست على مستوى الإقليم، وإنما في الفضاءين العربي والإفريقي بما لديه من خبرة وسمات قيادة ودراية كافية بإدارة الشؤون المعقدة سياسياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً، والتجارب والظروف التي مر بها السودان في ساعات المحنة والحصار والحروب زادته تعمقاً لاتمام دوره في ساعات الانفراجات والسلام الموعود والاستقرار واتساع نطاقات الدور الإقليمي والدولي باستعادة مكانته العالمية ووجوده كلاعب رئيس في المجال القاري والعربي.
> مشكلتنا ليست في البديل ومن يخلف الرئيس، فهنالك العشرات بل المئات من قيادات المؤتمر الوطني يمكنهم تولي الأمر من بعد وتحمل أعباء وطن أثخنته الجراح، لكن من يضمن ولاءً وتأييداً وقدرةً ذات إرادة وإمكان للحفاظ على اللحمة الداخلية وتماسكها والبلاد لم تعتل بعد السطح وهي تسعى للخروج من عمق النفق، فهناك تحديات وذيول لمشكلات مستعصية ساهمت عوامل عديدة في تفاقمها وتزايد ويلاتها، وهي بالقطع تحتاج لتدابير ومعالجات وإجراءات وقيادة بمواصفات معينة للتعاطي معها وفتح أفق جديد، فإذا توفر البديل القادر وله ذات الخصائص فلا ضير من إعلانه منذ الآن، لكن في ظل غيابه وفقاً، فليس هناك غير البشير يستطيع وضع البلاد على مسار آمن بعد أن رفعت عنها أغلال العقوبات وتكاد تنظف جراحها النازفة وتضمدها ثم تنطلق للأمام.
> إذا كان المؤتمر الوطني يستطيع أن يقدم مرشحه غير البشير ومن دون أن يفشل وتذهب ريحه بالخلافات وتنامي المطامع الحادة التي تتنَّزى كل يوم ودون تقطيع بعضه البعض بالأنياب والأسنان ... فليفعل، أما إن لم يستطع تحديد بديله المناسب والجاهز.. فليس له غير عمر البشير.. ولن يجد أفضل منه ليتولى ترتيب مرحلة ما بعد 2020م، ويسهم في تهيئة (البديل) ومعالجة حالات الاختلال والاعتلال في نظام الدولة، ثم بعدها ينصرف بعد أن أدى واجبه وسلم أمانته.