الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

خذوها من الحزب الشيوعي! ..

> على نحو مختلف، لابد من التوقف كثيراً عند المقايسة والقياس والمقارنة، بين تجربة حزبية باهرة وعريقة مثل تجربة الحزب الشيوعي الصيني، مناهجه ووعيه وأولوياته في قيادة بلد كبير متطلع للريادة العالمية مثل الصين،

وبين تجربتنا نحن في السودان للحزب الحاكم المؤتمر الوطني الذي وجد فرصة لتطبيق أفكاره وسياساته وإدارة الشأن العام في البلاد، لم تُتح لغيره طوال التاريخ الوطني في واقع شاق وصعب في دولة مثل السودان، لم يكن حال الصين بأحسن منها قبل أربعين سنة أو تزيد ..
>  بالأمس عند افتتاح جلسات المؤتمر السابع عشر للمؤتمر الوطني العام للحزب الشيوعي الصيني بالعاصمة بكين، كان كل شيء مختلفاً ومدهشاً وجديداً ولافتاً للنظر ومثيراً للنشاط الذهني والتفكير. فالحزب الذي يحكم أكبر دولة في العالم ، وصل تعداد سكانها لما يقارب المليار وأربعمائة مليون نسمة، لايزال بنفس الإيقاع والشعارات والتصميم والابتكار، مع القدرة على قراءة صحيحة للمستقبل والتعامل بجدية مع الواقع، ولايزال يستطيع اجتذاب الكوادر ذات الفاعلية والحيوية ويجدد دماءه ويراهن على الغد والعيش الرغيد لمجتمع له حضارته الروحية التي قد تتعارض نوعاً ما، مع مفاهيم الماركسية. فالشعار المرفوع الآن وعبَّر عنه الرئيس الصيني، وهو السكرتير العام للحزب في هذا الجانب، يتحدث عن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، فالأيدولوجيا بمحمولها الدوغمائي لم تعد موجودة ، بل صارت عوامل الثقل ودوران المحرك هو تحقيق الرفاء العام واختيار المصالح والمنافع المشتركة والإصلاح الشامل، هو المسار المناسب للسير فيه بخطوات واثقة نحو المستقبل .
>  في خطابه الذي امتد لثلاث ساعات ونصف بقاعة الشعب الكبرى ببكين بحضور الآلاف مع عضوية الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، وأكثر من (1700 ) صحافي أتوا من بلدان العالم وقاراته المختلفة، كان الرئيس ( شي جين بينغ ) رئيس مجلس الدولة ورئيس اللجنة العسكرية والمكتب السياسي والمكتب السياسي للحزب الشيوعي، يتحدث معدداً الإنجازات التي تمت خلال الخمس سنوات الماضية، والمستقبل الباهر والمشرق الذي ينتظر بلاده، لكن الذي لفت إليه الأنظار، هو أن مفتتح الخطاب الوارد في (76) صفحة هو استهلاله بقضايا الإصلاح والاقتصاد، وخاصة الإصلاح الحزبي، ولاحت أمامي وأنا استمع صور متحركة للمقاربة الممكنة بين السنوات الطويلة لتجربتنا السياسية السودانية، وكيفية إصلاحها والأخذ بالحكمة الصينية التي وضعت هذا البلد الصديق في موقع متقدم بين دول العالم، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها، خاصة أن المؤتمر الوطني عندنا طرح وثيقة للإصلاح الحزبي والسياسي وأخرى لإصلاح الدولة، لكننا لم نرَ لها ثماراً واضحة ودانية القطوف بشكل كافٍ يحقق التعافي الكامل .
>  في ثنايا خطاب الرئيس الصيني لقيادات حزبه ، توقفت كثيراً عند روح الخطاب وأهم فقراته التي أخذت جزءاً كبيراً منه وربما كانت أهم ما به، وهي تتحدث عن تحدي ( إدارة الحزب بانضباط صارم وشامل ) ، وتمثل النقاط الواردة في هذه الفقرة، معالم بناءة لأي حزب حاكم في العالم يريد معالجة أمراضه الداخلية والخروج من نفق التراخي والتواني والتساهل والتسامح وضعف الولاء والانضباط الحزبي وعدم إجلال الدستور واللوائح الحزبية وهزال الوعي السياسي والتقاعس عن إدراك المصلحة العامة التقصير في تنفيذ المسؤولية السياسية وانعدام الكفاءة .
>  ويرفع الحزب شعار ( الكادر الجيد في العصر الجديد ) لم يترك فيها شاردة ولا واردة حول تحديد مواصفات الكادر الحزبي المطلوب للتقدم لتحمُّل أعباء القيادة والعمل في صفوف الحزب ومُثُله العليا وعقيدته السياسية وتحليه بالكفاءة وحصوله على الثقيف المطلوب.
> وقد أجمل الأمين العام للحزب في كلمته ذلك بلطيفة أسماها تطبيق المطالب وهي ( النظر في المرآة ) ويقصد بها كما شرحها في خطابه من تسوية الهندام والاستحمام وعلاج الأمراض، إلى القدرة على تخطيط الأمور وريادة الأعمال والسلوك والتمسك بروح الحزب والانضباط، ثم يتقدم الحزب الشيوعي الصيني في إصلاحاته الداخلية ويبتدع ضوابط لازمة وضرورية في طريق الإصلاح الداخلي للعمل الحزبي ودولابه اليومي، ويحددها في نقاط مفصلة منها ( تحسين أعمال البحث والتحقيق، تقليص عقد الاجتماعات لمنع هدر الوقت، وتقليل عدد الوثائق واعتماد التقارير الموجزة ومعايرة أنشطة الزيارات الخارجية، ومعالجة مشكلة الشكلية والبيروقراطية ونزعة المتعة والبذخ والتبذير بصرامة ومعارضة الامتبازات، وتحسين أعمال الحراسة والتأمين وتحسين وتجويد الأعمال الإعلامية وحل أنشطة كبار قادة الحزب والسيطرة على النشر العلني لمؤلفاتهم وكتيبات خطاباتهم وممارسة التقشف والاقتصاد بصرامة، ومحاربة الفساد والعمل بسيف حاد في الجولات التفقدية للجان الحزبية المركزية وفي المقاطعات، ومواصلة «ضرب النمور والذباب وصيد الثعالب « وهم كبار الفاسدين وصغارهم ..! ) وهنا لابد من أن أورد نص فقرة من خطاب الرئيس الصيني أمس لعضوية الحزب وهو يعدد المنجزات :
> « تحقق هدف ضمان عدم الجرأة على الفساد بصورة أولية، وإحكام الإطار المؤسسي لضمان عدم إمكانية للفساد الى حد كبير، ويجري حالياً بناء سد لضمان الإحجام عن الفساد، وتم تشكيل الموقف الكاسح لمكافحة الفساد مع توطيد هذا الموقف وتطويره، تحسنت العلاقة بين الحزب والجماهير وصارت أكثر وضوحاً من خلال الصقل الثوري بعد أن وفرنا ضماناً سياسياً راسخاً لتطوير قضايا الحزب والدولة بتقويم السلوك وتعزيز الانضباط ومكافحة الفساد ومعاقبة الشر بإرادة وسجية قويتين ..»
 غداً نواصل...