الأربعاء، 28 حزيران/يونيو 2017

board

تم تعميد مصطلح الجمهورية الثانية، ودُمغ به التحول المفصلي والتاريخي في البلاد عقب انفصال جنوب السودان، ونشوء واقع جديد يتطلب أطراً دستورية جديدة وهيكلة بنيوية للدولة ومؤسساتها بما يتوافق مع المفهوم الملتبس على كثير من الناس.
وبعيداً عن التفسيرات والمفهومات النظرية وما يترتب عليها، علينا قراءة واقعنا الراهن ومواءمته للتغيير القادم، ومدى توفر إرادة سياسية جادة وحقيقية للتغيير، فتناقص الجغرافيا، قد لا يعني لبعض متخذي القرار الفرصة المواتية لإنجاز تحول كبير في مسار الدولة ونظام الحكم وطبيعة الدستور والتشريعات والقوانين التي تكون سياجات الجمهورية الثانية التي ملأ مصطلحها الساحة السودانية وشغل ناسها.
وحتى الآن لا تبدو في سلوك الحكومة وحزبها الحاكم، أية خطوات جادة لتوليد البيئة والمناخ الملائم لما نسميه الجمهورية الثانية، بكل ما تعنيه من سياقات دستورية ومستويات حكم وتعددية فكرية وسياسية وقوانين تكفل الحريات وتصون كرامة الإنسان وتعلي من قيمته، وتشريعات تتعلق بالشفافية ونزاهة الحكم ومحاربة الفساد ووضع محددات وطنية لا يختلف حولها اثنان، واتباع منهج في ممارسة الحكم يؤسس لنظام مستدام في تداول السلطة ورشدها.
لكن الواضح أن هناك ما يشبه صراع الإرادات داخل المؤتمر الوطني وأجهزة الحكم في الدولة المعنية بإصدار القرار، يعوق عملية الإصلاح السياسي والتغيير المنشود، فهناك من يرى ضرورة التغيير وأهميته في تجديد الدماء وبث روح جديدة من أجل تقوية النظام والسلطة واستمرارها في يد المؤتمر الوطني، بينما هناك مدرسة أخرى تريد الإبقاء على كل شيء في مكانه، وهي مدرسة متكلسة جامدة لا ترى في التغيير والتجديد وتبديل الوجوه إلا إضعافاً للنظام يعجل بذهاب ريحه.
وبين هاتين المدرستين والإرادتين، توجد مجموعات تتغوَّل على مصطلح الجمهورية الثانية وتصادره وتريد تجييره لصالح تطلعاتها، خاصة عندما يتحدثون عن الإصلاح والشباب، ومعروف أن تجربة القيادات الشابة في الحكومة الحالية لم تكن نتاج إفراز حقيقي لحركة الشباب في المؤتمر الوطني، بقدر ما هي انحيازات واختيارات دوائر صغيرة في السلطة تعطي ما تريده لمن هو أقرب وفي إطار حداثيات وجوده ومسافته من هذه الدوائر.
وهذه التجربة للشباب رغم أنها مؤشر جيد، إلا أنها لم تعكس نتائجها الإيجابية بشكل جيد، فالأداء العام لبعض الشباب حديثي الرضاعة من ثدي السلطة كان منخفضاً للغاية، ولا يمكن أن تبني وتعلق آمالاً عراضاً على أنهم هم قناديل التغيير وحداته وفرسانه.
فمن هنا لا بد من استخلاص نتيجة مهمة للغاية، هي أن الهدف من الإصلاح السياسي ليس ترميم تصدعات في جُدر البنيان السلطوي القائم وتطعيمه ببعض الوجوه مع الإبقاء على الوجوه القديمة، إنما المطلوب تحول كبير ومركزي في المفاهيم الأساس التي تقوم عليها السلطة الحالية وسياساتها وبرامجها وتوجهاتها وممارساتها، خاصة تلك التي لا تتفق مع شعاراتها المرفوعة وخطابها العام.
وكما يقول الدكتور غازي صلاح الدين فإن برامج الإصلاح الاجتماعي أهم بكثير من الإصلاح السياسي وعمليات التجريب التي تجرى على جسد السلطة ووجهها، ويقول عدد من المهتمين بقضايا الفكر السياسي في أوساط الإسلاميين، إن المرحلة المقبلة هي مرحلة التغيير الحقيقي عن طريق الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، فالاستهداء للشعارات التي تراعي هموم المواطن الحقيقية وموطن اهتمامه، هو الأحصنة التي يمكن بها العبور نحو فياح الجمهورية الثانية، أما إن كان الهم كله ينحصر في تشكيل الحكومة والإبقاء على الأطر الدستورية والأشكال القائمة الآن، فإن الفشل سيخيِّم بسحاباته الثِّقال على كل المرحلة المقبلة، ولن نحصد منها إلا الهشيم.