الجمعة، 23 شباط/فبراير 2018

board

تبرم عديد الدول في عالمنا اليوم، اتفاقيات ثنائية أو جماعية  تضمن فيها حريات لمواطنيها، تشابه الحريات الأربع التي وقعتها حكومة السودان وحكومة دولة جنوب السودان منتصف الأسبوع الماضي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا التي تتيح لكلا مواطني الدولتين حرية التنقل والإقامة والتملك والتجارة، وقد جهرت أصوات كثيرة رافضة هذا الاتفاق، بينما وقفت الحكومة هنا في الخرطوم تدافع عنه كالأم الرؤوم تدافع عن وليدها الذي يواجه أنياب الخطر.. خوف الفتك به وفقدانه.ومع أن الاتفاق في مبدئه العام، فيه مقاصد لا خلاف حولها بين أي بلدين جارين، لكنه بكل أسف أتى خارج السياق.!!

ونقصد بالسياق هنا، مجموع الخلافات بين السودان وجنوب السودان، وراهن التطورات الجارية بينهما التي قادت لحرب بالكامل كما حدث في بحيرة الأبيض نهاية فبراير الماضي وتصريحات الرئيس البشير وسلفا كير رئيس دولة الجنوب حول توقعات الحرب المحتملة بين البلدين، وكان التراشق الإعلامي هو الملمح الأرأس في العلاقة بين الجانبين حتى التئام جولة مفاوضات أديس أبابا الأخيرة التي خرج من رحمها هذا الاتفاق.
وذات السياق... تتلبد في سمائه غيوم كثيفة من العداءات المعلنة وغير المعلنة، وتقوم حكومة الجنوب دون أي مواربة باحتضان ودعم بقايا الجيش الشعبي في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وهي تخوض حرباً مفتوحة لا ساحل لموج أهدافها، وتدعم وتسلِّح وتأوي حركات دارفور المسلحة، التي توجد بكامل قواتها وعتادها الحربي وقياداتها العسكرية والسياسية في الجنوب، وتنطلق منه تجاه دارفور وتشارك في العمليات العسكرية للجيش الشعبي في جنوب كردفان وربما النيل الأزرق وهي جزء من المنظومة العسكرية والأمنية لحماية دولة جنوب السودان وبيادق في رقعة الشطرنج الأمريكية في الحروب بالوكالة لإسقاط النظام في الخرطوم.
وفي السياق نفسه رفض جوبا لأي اتفاق مع الخرطوم حول النفط ومروره عبر الأراضي السودانية إلى ميناء التصدير والانتفاع بالمنشآت النفطية وخاصة الأنابيب ومحطات الضخ، حتى خروجه للعالم والدول المشترية... ولم تتجاوز وقاحة وجرأة جوبا على التقليل المزري لنصيب السودان من الرسوم المطلوبة لمرور البترول والانتفاع من المنشآت النفطية، بل تجاسرت على التواقح والصفاقة بالقول إنها مستعدة للمساعدة لحل الضائقة الاقتصادية للسودان بتقديم منحة أو مكرمة له شريطة أن تمول بها مشروعات المناطق المهمشة على حد قول الأمين العام للحركة الشعبية ..!!
إذن... السياق الذي جرت فيه جولة مفاوضات أديس، كان مغايراً تماماً لمتمخضاته التي خرج بها ...!وتم تقديم المندوبات والنوافل على الفرائض في انتقاء موضوعات الجولة للوصول بها مرفأً آمناً.. وكانت قضية الأمن وملفاته الشائكة والحرب المفتوحة والمدعومة من دولة الجنوب في جنوب كردفان ودعم حركات دارفور، ثم ملف النفط، هي قضايا الساعة وعقدة العلاقة واستوائها بين البلدين، قبل أن يكون النصر المزيف بتوقيع اتفاق في قضايا الحريات الأربع التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر في حال لم تحسم بقية الملفات العالقة والشائكة وكثيرة التعقيد... بالرغم من أن قضايا الحدود كانت أقلّ مرتبة في الاتفاق الإطاري الأخير إلا أنها يمكن أن تكون جزءاً من المعلقات على جدران الخلاف.. تم فيها كما يقول أهلنا البقارة «مسح الدهن على الصوف» وأُضيفت للحريات الأربع وهو اتفاق لا جديد فيه ما لم تحسم فيه نقاط الخلاف الحدودية الحقيقية.
وفي السياسة وعلاقات الدول، لا يمكن إرجاء نقاط الخلاف الرئيسة وإرجاعها للخلاف، وإرجائها على مظنة بناء الثقة المفقودة، مقابل سهل العلا... كما يقول المتنبي في بيت الشعر الشهير:
ذريني أنلْ ما لا ينال من العلا
فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل
فلماذا إذن كان هذا التوقيع المتعجل على اتفاق خارج السياق الموضوعي لعلاقات البلدين الراهنة ونذر الحرب تجمع سحاباتها فوقهما، والحرب بالتصريحات قد وصلت حدها الأقصى وسقفها الأعلى...؟!!
يمكن تفسير الدواعي والمبررات بنقطتين أساسيتين:
ألقت قوى دولية مثل الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية بجانب الاتحاد الإفريقي ولجنته الرفيعة المستوى بقيادة ثامبو أمبيكي رئيس جنوب إفريقيا السابق، بكل الثقل على هذه الجولة، وكان مبعوثو الدول الكبرى يمارسون لعبتهم المفضلة بالضغط والتلويح بالعصا حيناً وبالجزرة أحياناً... واتضح من هذا كله أنه لا ضغوط على دولة الجنوب لأنها هي المستفيد الأكبر من اتفاق الحريات الأربع، ففيه خلاص لها من توتراتها الأمنية، وطوق نجاة لحكومتها أمام مواطنيها بسبب عجزها عن القيام بمسؤولياتها تجاههم في إدارة الجنوب وتوفير أبسط مقومات الحياة فيه وتنفيذ خطة بناءة في الخدمات والتنمية، وحجم الفساد المتنامي وسط المسؤولين الجنوبيين وعدم توزيع السلطة بعدالة وإنصاف بين مكونات الجنوب السكانية، وهي قضايا  تشعل النيران في كل مناطق الجنوب المثقلة بالمجموعات المسلحة والثوار المتمردين.
وأرادت القوى الدولية تخفيف الضغط على دولة الجنوب وحل أزماتها على حساب السودان، وتهيئة مناخ لها لتلتقط أنفاسها من شبح عودة كل الجنوبيين وتساؤلاتهم عن حياة كريمة يعيشونها هناك... وربما تكون الأهداف غير المعلنة من فتح الباب للوجود الجنوبي والسماح لها بحرية الإقامة والتنقل والتملك والتجارة، ما يجري في جنوب كردفان والنيل الأزرق وتناقص عائدات الدور الجنوبي الفاعل في الشمال من معلومات ومشاركات في ما يهم مصالح الجنوب على الساحة السودانية، وهو الأمر المتعلِّق بعناصر الجيش الشعبي واستخباراته واتصالاته.
وثمة عامل مهم أخير في هذه النقطة أن إسرائيل قررت واتفقت مع دولة الجنوب، لترحيل كل الفائض من المتسللين الأفارقة إليها وترتيب إقامتهم في الجنوب، وبينهم جنسيات غرب إفريقية وبالإضافة لسودانيين من جنوب كردفان ودارفور وجنوبيين، وسيجد هؤلاء المرتزقة الجدد القادمون من إسرائيل خاصة الذين سيمنحون جنسية دولة جنوب السودان الفرصة مواتية للدخول والتمتع بالحريات الأربع في السودان ...!!
النقطة الأخرى في تلافيف سياقات هذا الاتفاق أن الحكومة أخذت معها في اعتباراتها، السيف الأمريكي المسلّط عليها، وهناك اتصالات ونصائح تأتي من هنا وهناك وكلها في إطار الضغوط ونتائجها المتوقعة، «بضرورة حل الخلاف مع دولة الجنوب لتخفيف الضغط عليكم واستهدافكم ..» فالأجواء في واشنطون ومناقشة الكونغرس للقانون المقدم أمامه لمحاسبة السودان وتصريحات كلنتون مؤخراً وتحميلها الرئيس البشير مسؤولية استهداف دولة الجنوب «الفتية» على حد قولها.. وكثيراً ما تقع الحكومة في تخليط مخلٍّ بمسار السياسة، إنها كلما تنازلت واستجابت للضغوط الخارجية، ستخفف الأثقال من على ظهرها وتقل الضغوط وتجد منفذًا أو سرداباً صغيراً تنفذ عبره من عتمة ما يواجهها.
وقد ثبت بطلان هذه النظرة، فكل ما يدور في واشنطون، مطلوب داخلي، والسودان وقضاياه صارت جزءًا من اللوازم في الحملات الانتخابية، خاصة مع اقتراب الانتخابات في نوفمبر المقبل، الديمقراطيون يريدون ولاية ثانية والجمهوريون يعملون على اقتلاع أوباما وإدارته من البيت الأبيض، وتلعب جماعات الضغط الصهيونية السوداء على حبل الجنوب ودارفور وقضايا جنوب كردفان والنيل الأزرق، لقطاف ثمار متدلية في هذه الأجواء المتقلبة، ووجدت حكومتنا أنها يجب أن تتعامل مع هذه القضايا على طريقة أنه إذا تصارعت الأفيال والحمير في واشنطون فذلك من حسن الحظ والطالع، لكن المهم ألا تواجه العاصفة بل تنحني لها حتى تمر ...!!
رأت الحكومة أن حل الخلاف مع الجنوب يمر أولاً عبر البوابة الأمريكية وبعض دول الجوار، وأن الاتفاق الذي قدّمت مسودته وتوصلت له اللجان في جولة أديس الأخيرة ، لا ضير فيه إن كان يمهد لما هو أكبر منه وأهم... وحتى الاتفاق حول النفط والتدابير الأمنية وغيرها يمكن التوصل إلى تفاهمات حولها مجتمعة إذا كان ما متوقع هو حسن النوايا، وتطبيقه على الأرض يحتاج لإجراءات إدارية وفنية دقيقة قد تأخذ وقتاً وتستلزم ضوابطه الكثير من الكوابح...
الخلاصة:
خلاصة الأمر أن الاتفاق كان خارج السياق، كما قلنا في البداية، استفادت منه حكومة دولة الجنوب وجاء لصالحها، ولم تستفد منه حكومتنا بالمقابل، أعطت ولم تأخذ.. ولجأت في أسوأ سلوك سياسي على الإطلاق وهو التخندق والدفاع والمنافحة عن اتفاقها، ولم تجتهد في صوغ مبررات مقنعة تجعل منه اتفاقاً مقبولاً بعد أن يكون معقولاً.!
أما لقاء الرئيس مع رئيس دولة الجنوب الذي لم يحدد زمانه، بالرغم من اقتراح مكانه،  فإنه على أحسن الظن لن يكون خاتمة مطاف طويل، ولن يضيف كثيراً، لأن حكومة الجنوب والقوى الدولية ستطلب أكثر، ربما طلبوا هذه المرة التنازل عن أبيي أو مناطق حدودية بعينها كما أشار سلفا كير قبل يومين في بحر الغزال، أو ربما يكون هناك شيطان قابع ينفث ناره في تفاصيل ما اتفق عليه وبين جنبات العبارات والكلمات الغامضة التي حواها الاتفاق الأخير الذي يظن صنّاعُه أنه يمهد الطريق للقضايا العالقة الأخرى.

  1. سأخون وطني... هذيان للرعب والارتحال ..!!
  2. نداء اليقظة.. فَلْنَحْذَر من نيفاشا الثانية
  3. لـــن نقـبل بــه!!
  4. مــا الفائدة..؟؟!
  5. هل نحتاج لتعديل حكومي...؟
  6. حادثة الديم .. والمناصير.. وكونجو كونجو.. وكبري محمود شريف.. وكتاب هيكل...
  7. ومرّت سحابةٌ من العيونِ الحزينة ..!!!
  8. كمال عمر... لو ذاتَ سوارٍ لطمتني ..!
  9. النقش على الماء
  10. قوى الإجماع الوطني تحرث في البحر!!
  11. خطاب الرئيس وتمام الدفاع الشعبي..
  12. هل نذهب لبروكسل؟
  13. نـحــن والجـنائيـــة الدولــيــة.. مــا الحــل؟
  14. أحملُ الأرضَ على كيسٍ من ضباب ...!!
  15. لماذا لا ندعم المعارضة الجنوبية؟
  16. ماذا يحدث لو أوقفنا التفاوض؟
  17. لا يَفِلُّ الحَديدَ إلا الحَديدُ
  18. فاض الكيل
  19. ركام المعارضة المسلحة..
  20. أستاذ السناري.. كاد يكون رسولا ..!
  21. لحم الصحافة الغائب...
  22. السمك والطير الأمريكي ...!
  23. نفط الجنوب.. وزين الطيب صالح.. وقلائد الثورات.. وكلمة لشرق دارفور....
  24. لعلك يا عذاب الليل كنت تزورنا كرها!!!.....
  25. مؤتمر التعليم وكيفية صناعة المستقبل..
  26. خبط عشواء...
  27. ضعف الولاء السياسي..
  28. هل هذا يكفي؟
  29. جولة أديس.. مؤتمر التعليم.. متعة كتاب شلقم.. وخرف كيسنجر ..!!
  30. عن طيور الماء.. هل تدري يا نعسان؟
  31. تحدي السلطة الإقليمية...
  32. الحرب المحتملة...
  33. في المولد.. الطريق يدنو والمعالم تقترب!!
  34. حديث خرافة.. موضة الاحتجاج.. ومغتصبات النوبة.. وأنور الجندي ..!
  35. تحملني الريح بأطراف أصابعها ..!!!!
  36. أضلاع المربع مع جوبا..
  37. نحو منهج جديد للتعامل مع دولة الجنوب...
  38. بان كي مون ينحاز
  39. عدنا بخفيَ حنين... وتقرير سنجة!!
  40. سنار ونيالا.. غيبة الروح وغياب العقل..؟
  41. ...... مالو إتأخر بريدو؟ وما في حتى رسالة واحدة..
  42. كيف ستؤثر ظاهرة تغيُّر المناخ على سد الألفية الإثيوبي؟
  43. أحداث نيالا!!
  44. حتى لا نقع في الفخ!!
  45. خيارات ضئيلة
  46. فــتــاوى الصــــادق.. ولعــنــة الــــنفــط..
  47. المـزار السياسي..!!
  48. التعاون الدولي .. أفق جديد
  49. مزالق وتزحلُق على جليد الخلافات ..!ِ
  50. أمّة بعضها من بعض.. بن كيران و«ألوان» ومذكرة الكيزان ...!!

الأعمدة