الأربعاء، 16 آب/أغسطس 2017

board

تأشيرة الدخول.. مخاوف في القاهرة وتحدٍ بالخرطوم 

عبد الله عبدالرحيم
- قرار انتظره الكثير من المتابعين للشأن السوداني المصري، وذلك عقب إعلان الخارجية قراراً حظرت بموجبه دخول المصريين للبلاد من الجنسين دون الخمسين عاماً إلا عبر استخراج تأشيرة دخول من السفارة السودانية بمصر.

يأتي هذا القرار والعلاقة بين البلدين تشهد تردياً ملحوظاً إلا من الأحاديث الدبلوماسية التي تسعى لتطييب الخاطر ومسح الغبار الرمادي الكثيف الذي ظل عالقاً بالعلاقات لردهات من الزمن دون أن يجد من يغسله ويعمل على تبييض تلك اللافتة التي كانت تعج بالكثير من الأشواق لطالما ظلت حلماً لطرف واحد دون الآخر. ففيما سعت الخرطوم لتطبيق اتفاق الحريات الأربع الذي تم التوقيع عليه بين البلدين في وقت ماضٍ من سنوات العقد الأخير بين البلدين ، إلا أنه كثيراً ما كانت تقابل القاهرة الإقدام الحكومي السوداني تجاه خطوات حسن النوايا تلك بالقبضة الأمنية. إذ تلكأت مصر كثيراً ولازالت تتلكأ في تطبيق الاتفاق بالمثل الذي بادرت به حكومة الخرطوم التي انفتحت بكلياتها نحو الجارة مصر لقتل كل أشكال المحن والأزمات بين البلدين. فلم تيسر أمر دخول السودانيين لبلادها دون الحصول على تأشيرة من السفارة المصرية بالخرطوم تحت بصر ومشاهدة الحكومة السودانية التي لا تبعد وزارة خارجيتها عن مبنى السفارة المصرية إلا كيلومترات محدودات.  وبرغم ذلك مضت الخرطوم في تطبيق الحريات الأربع مع مصر بل وأكثر إذ قامت بإطلاق الصيادين المصريين الذين تجاوزوا المياه الإقليمية في البحر الأحمر وصاروا يجرفون ويصطادون داخل أراضي السودان في البحر الأحمر بكل أشكال الصيد المحرم وغيره دون اكتراث لما يمكن أن تُقدم عليه الحكومة في الخرطوم. وسارعت الخرطوم في إطلاق سراحهم رغم البلاغات التي تم فتحها في مواجهتهم وفي الأثناء لازالت السلطات المصرية تطبق أحكاماً قاسية على معدنين سودانيين دخلوا أراضيها دون قصد. وأنزلت السلطات هناك أحكاماً قاسية بتجريد المعدين الذين يفوق عددهم الثلاثون من ممتلكاتهم وسياراتهم بجانب ما جمعوه من ذهب من داخل الأراضي السودانية ولن تفرج عنهم رغم التدخلات المستمرة من الحكومة السودانية لإخلاء سبيلهم خاصة وأنهم أثبتوا بالدليل إنهم لا يعلمون أنهم قد دخلوا إلى الحدود المصرية. وهناك الكثير من الخروقات التي تتنافى واتفاقية الحريات الأربع التي تم التوقيع عليها بين البلدين.  وبحسب الخبير الأمني الأمين الحسن فإن هذا القرار أعاد الهيبة للحكومة السودانية التي ظلت دوماً- وفقاً لحديثه -تقدم السبت للحكومة المصرية دون أن تصبح الشمس هناك عن «أحد جديد»  . وزاد إن فرض قيودات على دخول المصريين الأراضي السودانية وفقاً لتأشيرة الدخول يحافظ كثيراً على الخطوات الأمنية التي تكلف الحكومة الكثير وفي ضبط الجرائم بالداخل التي كثيراً ما تكشف مضابطها وتحرياتها أن الفاعل دخل إلى البلاد بطريقة غير شرعية أو دون علم الجهات المسؤولة « لا تأشيرة دخول ولا علم به» ، ما يجعل القرار بالخطوة السليمة كما وإنها بإمكانه أن يحد من كل الصور السالبة للدخول دون علم السفارة.  
يأتي هذا بينما أكد السيد إبراهيم غندور وزير الخارجية أن هذا القرار فرض تأشيرة الدخول على المصريين والذي أعلنته الحكومة بشكل مفاجئ يأتي من خلال مبدأ الحريات الأربع بجانب التعامل بالمثل والمحافظة على أمن البلدين. إن النساء والأطفال والرجال فوق الخمسين سنة ليسوا في حاجة لتأشيرة دخول.  وقال غندور إن القرار صدر بعد دراسة وافية من كافة الجهات المعنية مشيراً إلى أنه تم إبلاغ الجانب المصري بالخصوص. مشيراً إلى أن السلطات المصرية أيضاً تتعامل مع مواطنيها بذات الطريقة بضرورة الحصول على إذن سفر لافتاً إلى أن الغرض من ذلك هو أمن وسلامة البلدين بعدم دخول شخص غير مرغوب فيه.
يأتي هذا في وقت تترغب الساحة وصول وزير الخارجية المصري سامح عاشور إلى الخرطوم في زيارة تختص باللجنة الثنائية السياسية الوزارية المشتركة للنظر في أمر التقارب السياسي والوقوف على تطبيق الاتفاقيات السابقة بين البلدين. فيما يستبعد مراقبون أن تؤثر هذه الخطوة على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لجهة أن الخطوة شبيهة بخطوات اتخذتها مصر في سبيل معالجة أوضاعها الداخلية، وقالوا إن أمر تنظيم الدخول شأن سيادي لا أمر لجهة ما عليه.  وزاد الأمين إنه إذا كان ثمن تطبيق الحريات بين البلدين هو تنازل الخرطوم عن أمنها بعدم تنظيم عملية دخول الأجانب إليها وغض الطرف عن منسوبي الجارة مصر، فإن ذلك أمر محال ولا يرجو من علاقة تحمل مثل هذا التضاد . وقال إنه لا سبيل لمثل هذه التعاملات في الدبلوماسيات الرسمية وحسناً عادت الحكومة إلى سياسة الندية.
وبالرغم من أن ما أصدرته الخرطوم من قرار لم يتجاوز أدبيات السياسة بين السودان ومصر ولا حجم الصلات والوشائج التي تربطهما منذ آلاف السنين، إذ ظل الطرفين دوماً مرشحان ليقدما أنموذجاً يُحتذى للتعاون المشترك. بيد أن العقود الماضية من عمر العلاقة التي تجمعهما قد أوصلت تلك العلاقات أحياناً إلى درجة كبيرة من التوتر والشدوالجذب بينهما، منذ استلام هذه الحكومة في مصر مروراً بكل الحكومات التي تشكلت هناك،  بينما ظلت الخرطوم تعلن فرحها وترحيبها في التعاون مع الإخوة في شمال الوادي بكل أريحية. وقد ظل التاريخ يحفظ هذا رغم ما بدأ يظهر علناً على مسير العلاقة التي بدأت تتأرجح بعض الشيء لاحقاًعلى الرغم من أزمة قضية «حلايب» التي لازالت تحمل في كنفها مصيراً مجهولاً رغم اعتراف خُرط كنتورية من مؤسسات أممية تعلن تبعيتها لحكومة السودان التي تبدو أكثر اطمئناناً وهي تواجه أزمة المنطقة المختلف بشأنها وقد طالبت بتحكيم دولي حولها.
ظهور هذا القرار في هذه المرحلة تحديداً أعاد مسألة العلاقات المشتركة بين الخرطوم والقاهرة على سطح الأحداث بعد أن وجدت تناولاً كبيراً ورواجاً من قبل أجهزة الإعلام هنا وهناك، ليكثر الحديث من بعد عن طبيعة العلاقات بين البلدين على ضوء التوترات والمستجدات على الساحة الإقليمية والدولية، فما هي درجة تأثير هذه القرارات «السودانية»  في تقييد دخول المصريين للسودان إلا عبر تأشيرة رسمية من السلطات السودانية هناك، على العلاقات الثنائية. هل ستؤجل من المضي قدماً في تنفيذ الاتفاقيات الدبلوماسية بين البلدين ام أن الإخوة في مصر سيتخطون هذه الصحوة ويعتبرونها تعاملاً بالمثل وفق ما قال وزير الخارجية إبراهيم غندور؟؟.