الجمعة، 20 تشرين1/أكتوير 2017

board

القهوة..(كيـف ومزاج) وجلســـــة مـــا منظور مثيلها

كتبت: هادية قاسم
السكسك المنضوم حول الجبينة نجوم
والفنجرية تقوم تقهوج الحجاج
طق طرق يا بن القهوة كيف ومزاج

الصورة الجمالية التي تعكسها الأبيات أعلاه، تتكرر مشاهدها في كثير من البيوت السودانية التي تختلف فيها طقوس القهوة من منطقة لأخرى وفقاً لاختلافات ثقافية واجتماعية ثابتة، بحيث تختلف حتى أدوات صناعتها من بيئة لأخرى والتي تتكون من (الكانون ــ الجبنة بليفتها ــ الشرقرق ــ الوِقَاية والبخور بأنواعه)، ويخصص لها موضع داخل فناء المنازل وتكون (راكوبة الحصير) هي ما تتناسب معها. وربما تكون هذه المعطيات تغيرت قليلاً مع مرور السنوات، ووفقاً لتغيرات طالت كثيراً من مجتمعاتنا مثل استبدال (الكانون) بالغاز وغيره، لكن تبقى للقهوة نكهتها الخاصة وطقوسها المميزة وروادها بفئاتهم العمرية المختلفة.. (الإنتباهة) خاضت في طقوس القهوة معددة أنواعها وطقوسها التي تختلف في كل أنحاء البلاد
معتقدات مصاحبة
من المعتقدات السائدة أن القهوة تعدل الخطوة وتوفق من يشربها في أموره ويعتقد بذلك الكثيرون، ومن ضمن المعتقدات انها اذا اندلقت على ثوب أحدهم فهي تعد فألاً حسناً وستجلب له الحظ والأموال.. كما أن هنالك مجتمعات تقوم بعمل طقوس القهوة أثناء الانتهاء من تشييد المنازل، ويدعون الأهل والأقارب والجيران لمشاركتهم في تناولها بفهم أنها تطرد الأرواح الشريرة.
وهنالك قهوة تسمى بقهوة (ود حسونة) نسبة للشيخ حسن ود حسونة، اذ يتم تجهيزها باسمه وتكون بمثابة هبة له، ويحضرها جمع غفير من الناس، ودائماً تكون بنية مناسبة، مثلاً شفاء مريض أو نذر أو تحقيق أمر ما !!
تحولات ملحوظة
قبل سنوات عديدة كانت القهوة تخص كبار النساء والرجال ولم يكن للشباب مزاج فيها، بل هنالك مجتمعات كانت تعتبر شرب الفتاة للقهوة عيباً كبيراً، لكن وفقاً لتغيرات عديدة طالت هذه المجتمعات أصبح للقهوة روادها من الشباب الذين اكتسحوا كبار السن، لتبقى الأغلبية العظمى لمتناولي القهوة هم فئة الشباب من الجنسين، وصاحب هذا التحول النوعي تحول شكلي في طقوس القهوة، فبعد ان كانت تعتمد على الموقد ولبان البخور والجاوي والعدني والفناجين والبلح و(جبنة الطين) بوقايتها وليفتها، أصبحت تجهز بوسائل أخرى أكثر حداثة، حيث حل الفوشار والقنقليس محل البلح. ورويداً رويداً تلاشت ظاهرة اللمة التي نجدها اليوم في بعض المناطق الريفية.
مظهر اجتماعي
أصبحت القهوة تشكل مظهراً تتباهى به الطبقات الأرستقراطية خاصة رجال ونساء الأعمال، فبعد أن كانت القهوة تمثل لمة وونسة أحباب أصبح على ضوئها يتم أكبر الصفقات التجارية لرجال الأعمال الذين يقصدون أكبر المقاهي (كوفي شوب) وفي أفخم الاحياء الراقية التي يبلغ فيها فنجان القهوة قيمة مالية كبيرة. ومثل هذه المقاهي تستجلب عمالة حبشية (قهوة حلوة حبشية) باعتبار أنها أكثر الأجناس تخصصاً في القهوة، لما تمتاز به من طقوس مصاحبة تجذب إليها الكثيرين من محبي القهوة خاصة فئة الشباب.
ملامح مختلفة
في شرق السودان يختلف طقس إعداد القهوة عن بقية الولايات الأخرى، حيث يتم تجهيز الفحم على الكانون ثم (قلي أو تحميص) البن على المقلاة، فتفوح رائحته الأصيلة التي يستلذ بها الكثيرون لدرجة (يتقريفون) لها، ومن ثم يتم سحن البن أو دقه بـ(المدق)، وتتعالى رائحة البخور في شكل جاذب. وتكون اللمة حاضرة في قهوة شرق السودان، وقد اعتاد أهلنا في الشرق على احتساء القهوة صباحاً ومساءً، وهنالك من يحبذها عصراً.
وفي وسط وغرب السودان يكثر تناول القهوة وتتعدد طرق صناعتها، أما في شمال السودان فنجد أن اهتمام القبائل بها قليل، وقد تخصص لها أماكن بعينها داخل فناء المنازل مثل (الراكوبة) المصنوعة من السعف، والتي تطورت اليوم وأصبحت (مظلاّت) مصنوعة من الزنك.
آراء متباينة
تقول إسراء في حديثها وهي طالبة جامعية إنها مازالت تحن بشدة لقهوة والدتها في (الراكوبة) التي يتجمع فيها عدد كبير من نساء الحي بغرض المؤانسة والترويح عن النفس، وأوضحت أنها اعتادت على أن تكون حاضرة بينهن فهي بحسب حديثها (تتقريف) لحديثهن الذي لا يخرج من دائرة (الشمارات)!! مضيفة أنها حينما تم قبولها بالجامعة حاولت أن تتخلص من شرب القهوة التي وجدتها مكلفة، اذ تبلغ قيمة كوب القهوة في اليوم (6) جنيهات، الأمر الذي جعلها تحاول ان تتخلى عن شربها، لكنها تقول إن محاولاتها باءت بالفشل وأصيبت بصداع شديد في ايام مقاطعتها الأولى، واكتشفت أن القهوة (رامياها) ولذا لم تجد فكاكاً منها الى اليوم.
إبراهيم أحمد قال لـ (الإنتباهة) إن الشباب اليوم أكثر الفئات العمرية تناولاً للقهوة، كما أنهم يهتمون بالطقوس المصاحبة لها من بخور وأمكنة بعينها، وقال إن هنالك من يبحث عن الكيف عبر ستات الشاي اللآتي يجدن صناعة القهوة ببخورها، وهنالك من يكتفي بتناولها داخل منازلهم، وهو يرى أن القهوة لم تعد حكراً على كبار السن من الرجال والنساء مثلما كان يحدث في السابق.
الحاجة مريم والتي تناهز السبعين من العمر قالت في حديثها مع (الإنتباهة) وبلغة بسيطة: (يا حليل أيام الجبنة ويا حليل أيام الكانون والفحم.. وكل حاجة حلوة وأصيلة راحت بسبب الموضة والحضارة، وزمان كان الحبان بتلاقوا في الجبنة الضهرية في راكوبة بسيطة، لكن الزمن ده بقت الجبنة جبنة باشات)..
الحاجة مريم ومن خلال مفرداتها البسيطة بدت متحسرة على التغيرات التي طالت طقوس القهوة، وهي ترى أن جلسات المؤانسة في السابق كانت لها نكهتها، واليوم كادت تتلاشى إلا القليل منها.