السبت، 16 كانون1/ديسمبر 2017

board

أثر المهنة في اللغة

> للنجارين والحدادين لغة بليغة جداً في التعبير، استنبطوها من واقع مهنتهم، فصارت لغة للعامة استعاروها منهم للدلالة على عمق المعنى، تعبيراً عما يحسونه. مثل كلمة (شاكوش). كما هو معروف للشاكوش سطوة وقوة عند النجار والحداد،

فهو يفعل بيد النجار الأفاعيل في المسامير التي يجعلها طائعة مختارة كسيرة وذليلة تنفُذ الى ما يريد بالقوة، وكذلك عند الحداد يطوع به الحديد. وعند العامة حينما يُقال فلان (أدهو شاكوش) > خصوصاً لو كان الشاكوش من الخطيبة> فإن المعنى هنا معنى صاعق ولا يحتاج الى كبير عناء لسبر أغواره.
> كذلك الحال بالنسبة للصاغة والطباخين والبنائين والعربجية والجزارين والمكوجية والكهربجية وحتى الفنانين... الخ.
> الأستاذ الأديب عباس محمود العقاد استثمر عبارة خاصة بـ(الصاغة) في أحد مقالاته، فقال: (حينما كنت تلميذاً في الصف الرابع الابتدائي، كان لنا أستاذ حساب (دقة قديمة).
وعبارة (دقة قديمة) هذه كناية عن الحُلي الذهبية او الفضية ذات النقوش القديمة.. أراد العقاد هنا أن يقول إن ذلك الأستاذ قديم بمعنى الكلمة.
> أما الطباخين، فإنهم قد طبخوا للغة عبارة:( شمار في مرقة). يعرف الطباخون أن الشمار قد لا يبدو له طعم حاذق وصارخ في المرقة أو الشوربة مثل الثوم والشطة والملح، لكن بالتأكيد له فوائد جمة مخفية. لذلك فإن مجهود الذي يستعير عبارة (شمار في مرقة) يضعها في مكانها الصحيح ليعبر بها عن عمق ما يحس به، مثلاً اذا استعملناها في جمل مفيدة تقول:
(يخشى الصحفيون الذين رفعوا أصواتهم عالية بالاحتجاجات السلميّة والكتابات الصحافية مناهضة لمكب النفايات المزمع قيامه بالقرب من مدينتهم مطالبين بحقوقهم الصحية والعدلية، أن تضيع كل جهودهم تلك (شمار في مرقة).. حيث لازال العمل جارياً بالموقع متسارعاً على عينك وغصباً عنك يا صحافي)!!
> أما إخواننا البنائين، فإن لهم كلمة قديمة في مجال البناء هي كلمة (طرطشة). ومعلوم عن الطرطشة إنها نوع من البياض الخارجي غير(أملس) لكنه يقي الجدار من الأمطار. استعار العامة كلمة (مطرطش) للشخص غير المستوي الذي يبدو عليه عدم الثبات في موقف معين، فيقال (فلان مطرطش).. أي أنه مذبذب!!
> والجزارون أدخلوا في اللغة كلمة خطيرة جداً هي كلمة (سلخ). فيُقال فلان سلخوهو.. والسلخ هنا قد يكون بـ(اللسان) او (القلم). والمثل يقول : ( ما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها).
> أما المكوجية، فتخرج من واقع مهنتهم كلمة كاريكاتيرية طريفة فيها صورة تمثيلية، تلك الكلمة هي شرّ يشُرُ (من شر الملابس). فيُقال:( فلان شراني في المحطة ثلاث ساعات).. يمكنك أن تتخيل منظر الشخص وهو تحت الشمس منتظر تماماً كما يفعل المكوجي أمام دكانه بالمبلابس!!
> والكهربجية عندهم كلمة رائعة جداً، وقد يشترك في هذه الكلمة الكهربي والميكانيكي، وهي مستنبطة من بطارية العربة حينما تحدث (كربوناً)، فإنك مهما حاولت أن تدير العربة ترفض، لكن بعد صنفرة الصباعات وإزالة الكربون، فإن العربة بعد ذلك (تدور زي السلام عليكم). والاستعارة هنا واضحة للشخص (المكربن)، وهو الشخص الزعلان. لكن يمكن إزالة الكربنة او الزعل بالقروش، (الضحاكات).
> هذا قليل من كثير من العبارات التي أفرزتها المهنة، وهي مفهومة لا تحتاج الى(تلحين). وبالمناسبة كلمة (تلحين) نفسها مستنبطة من مهنة الفنانين، وسنأتي لاحقاً للتعرف على تصريف مدخلات اللغة المهنية مثل: مطرطش ومكربن ومشوكش...الخ.
> أخيراً نتمنى ألا يشكوكشونا ناس النفايات وناخذ منهم (بمبة) و(خازوق)، لأننا أصلاً (مكربنين) من وزير البيئة الذي ضرب باحتجاجاتنا وكتاباتنا وحقوقنا الصحية والعدلية (عرض الحائط)، وأصبح كل ما قمنا به بالنسبة إليه (شمار في مرقة) وخلانا (مشرورين) في صحراء التيه والضياع والمستقبل المظلم المليء بالروائح الكريهة.
والله المستعان.