الثلاثاء، 16 كانون2/يناير 2018

board

أخيراً وليس آخراً، تساوت الرغيفة مع الجنيه!!

*كان للرغيف تاريخ ناصع، كما كان للجنيه كذلك .كان الناس يصفون الرغيفة (بالدركسون) نسبة لكبر حجمها، وزمان كان الشاب البقول (أناأنا)لا يستطيع أن يأكل رغيفتين حجم الدركسون القديم . أما اليوم، فقد حكى لي أحد الطلبة بأن فتة البوش التي تكفي لأربعة منهم تحتاج كحد أدنى لـ12رغيفة اليوم!!

*بالرغم من كل تلك الصفات الحميدة لرغيف الأمس(الدركسونية) الحجم، إلا أنها لم تكن لتحلم أن تتطاول على جنيه (زمان) .فالجنيه زمان كان له شخصيته ووزنه ومقامه الذي يحفظه له معاونوه من الفئات الأدنى التي كانت تكونه بدءاً من المليم والتعريفة والقرش والفريني والشلن والريال والطرادة.
*أول عملة سودانية طبعت في لندن لاستقلال السودان في عام(1956)م، حينها كان الجنيه السوداني الوليد يمشي في الأسواق العالمية رابطاً (كرافتة)، وتمشي من خلفه ثلاثة دولارات أمريكية. وبعد(61) عاماً اليوم يمشي ثلاثون جنيهاً سودانياً خلف دولار واحد!!
*لم يكن الجنيه في بداية عهده يقاس بالرغيفة ليوازيها قيمة!! بل كانت تقوم إحدى فئاته الصغيرة آنذاك بتقييم الرغيفة التي كانت (بالتعريفة)، وحينما ارتفعت قيمتها لـ(قرش صاغ) ضج الناس وغضبوا من الحاكم بالرغم من أنها كانت رغيفة (دركسونية)!!.
*اليوم يدخل الجنيه السوداني في حرج شديد، ليس لأن معياره أصبح (رغيفة) واحدة، ولكن خوفاً من أن تتعزز الرغيفة (المزعمطة) عليه وتتركه وحيداً ولسان حاله يقول : (جيت يا الجنيه تفرح ما لقيت لكش مطرح)!!
*طُلب من( جحا) يوماً أن يعد أمواج البحر، وذكر عدداً في الرياضيات هو الأصدق في التعداد حينما قال :(الجايات أكثر من الرايحات).. إذن.. فالخوف كل الخوف أن يفقد السيد الجنيه شخصيته أمام الرغيفة، والله يستر على (الجايات)!.
*منذ أن دخلت الرغيفة عالم السياسة، كان محكوماً علينا أن (نتبهدل)غذائياً. فلقد عمل المستعمر وهو يُرسي دعائم سياساته وثقافاته، على الدول التي استعمرها، فبنى قواعد على ثلاثة مرتكزات حيوية في حياة المواطن، هي (البطن والقلب والرأس) . فركز في مجال (البطن) على ثقافة القمح الذي منه الرغيف والخبز .
*قبلها كان غذاء السودان الرئيس هو (العصيدة والكسرة والقراصة)، وكان (الذرة والدُّخن)، ومن بعدهما القمح هي المكونات المتاحة التي لا تخرج من خزانة الدولة عُملة (صعبة)او(سهلة) يقال عليها، لاستجلابهم.
*وحينما استوطنت الرغيفة فينا وكونت الذوق والمذاق والمزاج السوداني الحديث، فعلت ما فعل جحا بحماره، أدخلت معها (البيرقر) و(الهوط دوق) و(الشاورما) و(الطاووق) و ( البوفتيك)...الخ ، ثقافة المطاعم الأفرنجية التي لا تُحصى ولا تُعد، فجعلت من الرغيفة أيضاً الطوستا والبلدي والكوكتيل، وآخر خاص بمرضى السكري، وأصنافاً أخرى ربما لا تعرفها ثقافة أو مذاق هذا القلم.
*وقد يقول قائل، أليس للرغيفة الفضل في أنها كونت مع (الفول) حلفاً إستراتيجياً خفَّف عنا شرور الغزو الأجنبي مما ذكرت وأصبح (البوش) إفطار الطالب الرئيس، وأصبحت الطعمية جنباً الى جنب مع الكتاب المدرسي في الشأن التعليمي والغذائي؟!
*ونُقِر بأن للرغيفة شأن في ذلك، لكن هذا كله ما كان يخوِّل لها أن تتصدر ( بورصتنا الغذائية) المحلية وتنافس الجنيه السوداني ، وتهدد عرشه الآيل للسقوط!!.
*وهذه عدة أسئلة (رغيفية) نطرحها بمناسبة العيد الـ(61)لاستقلال السودان واعتلاء الرغيفة لبورصة التداول متساوية مع الجنيه السوداني الفضل:
1-كم عدد المخابز الحديثة التي أنشئت منذ الاستقلال وحتى اليوم بالسودان، وكم عدد المخابز البلدية؟
2-كم قيمة المدخلات التي استعملت في الخبز في عام واحد ونخص التي تستورد بالعملة الصعبة ؟! وليتضمن ذلك المحروقات بكل أنواعها؟
3-كم عدد العاملين الذين يعملون في هذا المجال، وكم عددهم حينما نال السودان استقلاله عام (1956)م؟
*وأخيراً .. بعد (61)عاماً من استقلال السودان أصبحت الرغيفة بـ(واحد جنيه سوداني) ، اليوم نرفع راية استقلالنا.. غنو معي. وكل عام وأنتم بخير.