الإثنين، 21 آب/أغسطس 2017

board

من يرسم مستقبل أبناءنا؟

>  (دايراك يا علي تكبر تشيل حِملي). تلك شطرة من الأغاني التراثية التي كانت تُعلن عن وظيفة (علي) الأساسية المرجوة له حسب أحلام وتطلعات الوجدان الجمعي للمجتمع آنذاك، وكان بسيطاً وغير معقد كما نعايشه نحن اليوم.

>  ثم أن (علي) هذا حينما كبر ودخل المدرسة وجد نشيداً في كتاب المطالعة والمحفوظات آنذاك، يشجعه على أن (يغدو طبيباً أو وزيراً أو صحافياً كبيراً).
>  وحينما تقدم (علي) وهو يمثل شباب الأمس، وجد أن (الشطارة) وحدها هي التي تفتح له أبواب التعليم والجامعات والطب والهندسة والمحاماة والقضاء والصحافة وغيرها من التطلعات التي يُشار لها بالبنان.
>  وكان سهلاً أن يدخلها بـ(الشطارة) دون تعقيدات، بل وبعدها يجد أبواب التوظيف والعمل مفتوحة على مصراعيها.
>  و(علي) اليوم في عصر الموبايلات والقروبات والإسكايبات والأسافير والمواقع والإنترنت والفضائيات والتي وجدت عدداً مهولاً من الجامعات والكليات والتخصصات بعدها امتحن (علي) الشهادة الثانوية ونجح وتفوق و(اختار) أيها (يختار), وقد التفت يُمنة ويُسرى (وصنقع فوق وعاين تحت) فوجد من تخرجوا قبله صفوفاً من العطالة ومنهم من (لفَّ) الشهادات.. وهاك يا ركشات وسوق الله أكبر وهؤلاء من أسعدهم الحظ ومنهم من ينتظر ليرفِّع الشهادات للماجستير والدكتوراه ويجيد الإنجليزية والكمبيوتر، عسى أن يجد وظيفة تناسب (صلعته) التي (انمعطت) من كثرة الدراسات.
>  بعد وقبل كل هذا فإن مشكلات كثيرة تواجه (علي) اليوم الذي من المستحيل أن يشيل (حمل البيت) من نوع التخصص الذي ينبغي أن يتقدم له في الجامعات سواء تقديم عاماً أم خاصاً أم دبلومات.
>  يرى علماء التربية والاختصاصيين وعلماء النفس أن هذه من أكبر العقبات التي تواجه الشاب والشابة وهما في بداية تطلعهما للحياة الجامعية، كيف يختاران التخصص الذي يناسب قدراتهما وميولهما ويتناسب مع مواهبهما وقدراتهما الذهنية والدراسية والجسمانية، ويمتد الأمر بالضرورة للقدرات المادية.
>  ويتفق كل العلماء تقريباً في أن على الوالدين أو أقرب الأقربين ألا يتدخلوا في أو يفرضوا اختياراً معيناً للطالب، بل يتركوا ذلك وفقاً لرغبة الطالب لأنه هو الذي سيبحر بسفينة النجاح بنفسه والتي من أهم ماكيناتها (الرغبة).
>  والنصيحة التي ينبغي أن نقدمها لكل الشباب ونحن في عصر الانفتاح والمعلومات والإنترنت, هي التأني والبحث الدؤوب عن ماهية التخصصات لكل كلية جامعية، وذلك متوفر في الإنترنت.. كما أن على الطالب أن يسعى قبل أن يملأ استمارة التقدم للتخصص الذي يريد أن يكون ملماً بآفاق وخصوصيات ذلك التخصص من ذوي الاختصاص فقط والخبرة.
>  ولعلنا لو دققنا وأمعنا النظر في واقعنا الماثل والذي أنتجه عدم إلمام الطالب الذي يطرق آفاق المستقبل وهو جاهل بماهية الكلية المتقدم لها.. نرى من واقع تجاربنا السابقة أن كثيرين ممن تخبطوا قد أهدروا أعواماً دراسية في تخصصات جامعية وبعد تخرجهم علقوها على الحائط.. سواء (حائط المبكى) الخاص بهم أو حوائط منازلهم للتذكار.. وانخرطوا في أعمال أخرى لا علاقة لها البتة فيما درسوه وحفظوه وسهروا عليه الليالي وأنفقوا فيه سنيناً خصماً على (زهرة شبابهم).. فكاد أن يصبح كل أمرئٍ في السودان يشغل غير تخصصه.
>  فتجد من الأطباء من هو بالسوق، وتجد من الزراعيين سائق ركشة، وتجد من المهندسين فاتح مكتبة، وتجد من الجيولوجيين حداد أو ميكانيكي، والأمثلة كثيرة.
>  يقول سيدنا عمر "رضي الله عنه": (علموا أولادكم لزمان غير زمانكم).. ومن أقواله رضي الله عنه (أن تربي ابنك قبل ولادته بعشرين عاماً).. فيما معناه أن يتسلح الآباء بفنون وعلوم التربية.. ومن ذلك ما ذهب إليه العلم الحديث في قواعد التربية الصحيحة، وهي تلمُّس قدرات ومواهب الأبناء وتنميتها، وبالتأكيد فإن أي مجال يرتاده هؤلاء سيكون لهم السبق والنجاح والتفوق في العمل.
>  وبعدها: (دايراك يا علي تكبر تشيل حملي).
لكن حمل اليوم تقيييل يا أبو علوه!!.