السبت، 23 أيلول/سبتمبر 2017

board

بانوراما الأعياد

> ليس ثمة مناسبة أفضل في تقديم بانوراما حياتية عامة للإنسان أصدق من العيد.
> والأعياد عند المسلمين من أعظمها عيدا الفطر والأضحى المباركان.

> ولكل عيد نكهته وطعمه الخاص ولكل عيد منظاره الخاص الذي يشكل ويلون الأشياء من حوله حاضرها وماضيها وقد يلقي الضوء على مستقبلها.
> والشعراء والفنانون والأدباء على اختلاف مواهبهم هم الأكثر دقة وروعة في وصف وتخليد بانوراما الأعياد، بالرغم من أن معظم وصفهم يعبر عن مدى السعادة أو الحزن، وبطريقية غير مباشرة برصد الأحداث لما حوله.
> وأشهر الأبيات الشعرية تعبيراً عن ذلك ما خلده بيت المتنبي في العيد بقوله:
عيد بأي حال عدت يا عيد.. بما مضى أم لأمر فيك تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهم.. فليت دونك بيداً دونها بيد.
وبرغم كل شيء فإن الناس يفتحون في الأعياد نوافذ الفرح والسرور، وأبواب التواصل والتراحم، متناسين المعاناة والأحزان لحين من الدهر.
> إن عيدي الأضحى والفطر يتنافسان ويتباهيان في هذا المجال.
> وعيد الفطر يقول للأضحى بلسان حاله: إن التواصل بين الجيران فيّ أكثر منك، وأنا ألبس الناس الجديد، وموائدي متنوعة بالرغم من أن أيام عطلاتي أقل. وأنت يا عزيزي الأضحى ينشغل الجيران بعض الشيء في يومك الأول بالخروف، فهم يهرعون إليه أولاً، وتكون عيدية الرجال وبعض النسوة في ما بينهم في صلاة العيد.
> ويبتسم الأضحى المبارك.. وقد لاحت في الأفق شواءاته.. وتقاسم الناس سماع (نغمات) خرافه ويرد قائلاً:
لا يا عزيزي الفطر.. إن فرص التلاقي في رحابي أكبر.. فإن العاصمة والمدن الكبيرة بالولايات تفرغ الكثير من سكانها للرجوع لذويهم.. وهناك يا عزيزي كما يقول شاعرهم (البنا)
هنالك حيث تأتلف العذارى
وتشتبه المساجد والخيام
هناك يتم التلاقي بعد الغياب لسنين طويلة، وما اكثر في رحابي احتفالات الاعراس، والخروف يا عزيزي (مادة دسمة) حقاً بل هو فدية كريمة فيها كل البركة والأجر والخير.
والناس عبر لقاءاتهم تلك (يمتزج) الغائب الذي طال غيابه عن وطنه، بالغائب عن ذويه وهو داخل وطنه، بالغائب عن أسرته الكريمة وهو معهم في منزل واحد بسبب (الجري) وراء الرزق يخرج مبكراً ويعود والأزاهير نيام.
> وأحاديث العيد يا صديقي العزيز مسرح متكامل ومجالس أنس لذيدة، فالناس في مجالسهم تلك يخلطون (الشية) بالسياسة و(الكمونية) بما يتندرون به من نقص بلدانهم من خدمات، و(معجون الشطة بالدكوة) يستلذون بها بما يجود به الواتس والقروبات من نكات وطرائف ونوادر وشائعات، بل ويتناولون ما يحدث في العالم من حولهم خصوصاً في عالمهم العربي والاسلامي من (فتن) وحروبات ويتناولونها بعد أن يرتشفوا (بقات) من (الشربوت) أو (الغباشة)، حتى يستطيعوا ان يهضموا اللحوم، وما داموا لم يهضموا ما يجري حولهم.
> العيد بانوراما، وقد تكون أخبار القنبلة الذرية التي جربتها كوريا الشمالية حكاية في موائده الشهية.
> ومثلما السياسة حاضرة في العيد، فالشعر قد خلد أعياداً مضت.
> فالشاعر السوداني محمد أحمد محجوب (مثلاً) نظر الى الساحة السودانية ذات عيد غيب الموت فيه زعيم طائفة الانصار السيد/ عبد الرحمن المهدي (رحمه الله) فنعاه قائلاً:
العيد وافي فأين البشر والطرب.. والناس تسأل أين الصارم الزرب
اما الشاعر الكبير الكتيابي فله وصف خاص للعيد، يذكر فيه أياماً مضت ولا ينسى حالها العام.. يقول في بعض ابياته:
قل عدت يا عيد عمداً أم هي الصدف
أم كذبة حاكها الإعلام والصحف
هل أنت ذاتك الفي طفولتنا
كانت تعد له الساحات والغرف
لا أحسبنك هو.. ذاتاً ولا صفة
إن كنته فلماذا الطعم يختلف
هذاك كان له نفح تبشرنا به
الطيوب تروينا وتكتنف
فيه السماء تحلى سقف قبلتها
تصفو ولؤلؤها المكنون ينكشف
الخ الابيات الرائعة
وشاعر ملهم آخر لم يصور العيد من خلال مأساته هو فحسب، بل كانت الصورة تحكي مأساة الأندلس بأسرها ذلكم هو الشاعر (المعتمد بن عباد)، فقد كان ملكاً منعماً، فكثرت في عهده (الفتن)، ففقد الملك والنعيم الذي كان يعيش فيه هو وأسرته، وها هو العيد يمر عليه بعد أعياد سعيدة كان فيها على العرش منعماً وهو من بعد ذلك في حال آخر وقد دخلت عليه احدى بناته في السجن رثة الثياب ذليلة تعيش على ما تكسبه من شغل يدها من الغزل والنسيج، فشاهدها على هذا الحال فبكى وانشد قائلاً:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فساءك العيد في (أغمات) مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
يطأن في الطين والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
• نسأل الله أن يجنب الامة العربية والاسلامية الفتن، ما ظهر منها وما بطن وان يجعل بلادنا مستقرة آمنة ويجعلها سخاءً ورخاءً وكل عام وانتم بخير.