السبت، 21 تشرين1/أكتوير 2017

board

فنون التعامل الحضري

> كانت لإحدى السيدات حديقة زهور جميلة، وكانت أغصان نباتات تلك الحديقة تمتد فوق سور إحدى جاراتها فتتفتح منها عدة أزهار رائعة. لكن ما كان يضايق صاحبة الحديقة، أن جارتها سرعان ما تمد يدها فوق السور كلما تفتحت أزهار تقطفها.

هذا السلوك اليومي، أحزن السيدة وابنها، الذي كان يعمل مهندس صوت بإحدى الإذاعات، ولم تمضِ أيام، حتى تفتحت من جديد بأعلى السور أزاهير أخرى رائعة، الشيء الذي أغرى الجارة فمدت يدها كالمعتاد لتقطفها، لكنها تراجعت مندهشة وهي تسحب يدها بسرعة على إثر صعقة كهربائية (خفيفة جداً)، والذي أدهشها أكثر، أنها سمعت نغمة حنينة هامسة تأتيها من الزهور المتفتحة وتقول لها:( لااااا يا عزيزتي.. أرجوك لا تقطفيني.. دعيني أعيش)!!
> لقد تعامل الابن بفنون مهنته كي يقي أزهار الحديقة ويُشعر الجارة بأسلوب طريف، أن للأزهار الحق في أن تعيش ليستمتع بها الجميع.
> يقول الدكتور هادي نعمان في كتابه (ثقافة الأطفال): (إن بيادر الحقائق العلمية، ستظل كالجبال الصم إن لم نتقن سبل التحول بهذه الحقائق الى فنون في التطبيق.. وإننا لنشكو عجزنا عن التحول بالعالم الى فنون).
> إن بعضاً من معالجاتنا للكثير من مشكلاتنا البيئية، يتم بطريقة (ممنوع رمي الأوساخ هنا بأمر السلطات).. والمضحك بل والملفت لهذا التحذير (المكتوب على الحوائط)، هو وجود أكوام من النفايات تدل على التحذير، وتتزايد النفايات حتى تؤكد عدم جدوى مثل تلك المعالجات!!.
> في كثير من دول العالم المتحضر، نجد أن العلوم قد تنزلت لفنون في التطبيق، بل هي فنون مجدية ورائعة، حتى في مجال التعامل مع النفايات. ونحن هنا في السودان نعمل بطريقة استيراد القليل من تلك الفنون بالطريقة الاستثمارية، فعرفنا مؤخراً أن النفايات مجال استثماري له عائدات ضخمة. فاستورد المستثمرون ماكينات إعادة التدوير لبعض محتويات النفايات. لكن على الصعيد التعاملي الخاص، فإن حظنا في التعامل الصحيح لدرء خطر النفايات على البيئة، حصيلته (صفر). فكثير من تلك النفايات هي (خارج التدوير).
> وتجدنا نتداول في مواقع التواصل الاجتماعي نوادر وطرائف في هذا المجال، مثل الابن يقول لأبيه : (أبي إن صاحب القمامة عند الباب، فيرد عليه الأب: نحن أصحاب القمامة با ابني، وهو جاء ليساعدنا). او ما يقوله أحد الحكماء: (لا يحتاج الإنسان لشوارع نظيفة كي يكون محترماً, لكن الشوارع تحتاج لأناس محترمين كي تكون نظيفة).
> لكن يا ترى هل سنحتاج الى (فنون) مهندس الصوت كي نردع الذين (تعودوا) على السلوك الخاطئ ونستعمل لذلك الصعق الكهربائي؟!.
> لقد شاهدت في سوق أم درمان بالتحديد في الشارع الذي يؤدي الى (البوستة)، أن متاجر على جانبي الطريق، قد وضعت سلات كبيرة للنفايات، وكان لأحد الباعة المتجولين طبلية على قارعة الطريق، وحينما وقفت سيدة أمام الطبلية واشترت من البائع عدة جوارب. أخرج البائع الجوارب من الكيس، وقذف به في الهواء الطلق، علماً بأن بجانبه سلة كبيرة لهذا الغرض!!. حقاً تحتاج الشوارع لرجل محترم كي تكون نظيفة.
> إن التربية السلوكية الرشيدة، أساسها المدارس. فهي الحاضن الأمثل لتفريخ أشخاص محترمين كي تكون البيئة صالحة والشوارع والبيوت والمؤسسات والوزارات نظيفة وراقية وجميلة.
> قدمت إحدى الصحف ذات يوم حواراً مع أحد الشباب المبدعين، عرض فيه أنموذجاً لكيفية التعامل مع أكياس البلاستيك بالطريقة التي تقي البيئة من أضرارها، وكان محتوى الاقتراح بأن يلف كل إنسان الأكياس التي انتهى استعمالها، بطريقة مصغرة جداً. (ويمكن استعمال آليات صغيرة متاحة لذلك)، وبموجبه لن تكون هنالك أكياس طائرة في الهواء او منتشرة في كل مكان بالطريقة المؤذية والضارة المقززة كما نألفها اليوم، لكن اقتراحه لم يجد آذناً صاغية ولا جهة تتبناه وتطوره.
إن أحد أذرع إصحاح البيئة الفاعلة هي الإعلام ثم التربية السلوكية في المدارس وليس الحشو الأكاديمي، وأيضاً استعانة المحليات بالمفكرين والمبدعين فهم الذين أثروا الحضارات في العالم، وما من مرض إلا وله علاج، وما من مشكلة إلا ولها حل ناجع.
> وبذات طريقة مهندس الصوت، كان على السلطات أن تمنع المطابع من طباعة الملصقات التي شوهت حوائط وشوارع المدن والواجهات التي تعكس وجه العاصمة الحضاري.
> إن وسائل السلوك الحضري متعددة اذا ما عملت الدولة بفضيلة "أسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". ففي العالم والعوالم المتحضرة، تجارب بشرية ثرة ابتكرتها الدول المتقدمة، فأصبحت تحفة في الجمال والحضارة. لكننا لا نسعى لذلك ولازلنا نعمل بأسلوب (ممنوع رمي الأوساخ) العقيم، ولازالت مثل تلك التحذيرات تصور واقعنا الأليم.
> إذن.. نحن قد نحتاج لصعقة كهربائية نرجو أن تكون خفيفة.