الأحد، 17 كانون1/ديسمبر 2017

board

العبقريات من النساء قلائل

- لعل الطرفة المشهورة التي تحكي عن (التلميذة والحاوي)، تعبِّر عن الواقع الذي يعيشه الناس اليوم.
والطرفة تقول: إن تلميذة في مرحلة الأساس قالت لأبيها: (يا أبوي قالوا لينا في المدرسة كل واحدة تجيب خمسة جنيه عشان جايبين لينا بكرة حاوي)!!.. فرد عليها أبوها قائلاً:

(هو في حاوي في الدنيا أكبر من ابوك؟.. إنتو يا بتي سبعة بنات، وأنا مرتبي ما بفوت ألف جنيه, وعايشين لينا في بيت إيجار.. اها شوفي اللعبة دي الحاوي بقدر عليها)؟
- لكن بالرغم من التعقيدات المعيشية، والظروف (الخانقة) التي يعيشها الناس، فإن هنالك قلة من (الحواة) عرفوا كيف يحلون طلاسمها ويبهرون الناس بألعابهم السحرية الخارقة للعادة.. فعاشوا الحياة بطريقة (الحاوي)!!
- وهنالك من هم أهم من (الحواة) وأفضل.. هنالك (العباقرة).. فالعباقرة يرسمون خططهم وبرامجهم صادقة وواقعية بتميزهم في الذكاء النافع والفكر الثاقب والصفات المبدعة الخلاقة التي حباهم بها الله، فنفعوا بها البشرية على مر الدهور والأزمان.. عكس (الحواة) الذين سلكوا طريق الخدعة لإبهار الناس فاسترهبوهم وسحروا أعين الناس بخداعهم.
- والأمثلة على وجه الأرض كثيرة بين هؤلاء وأولئك.
- إن العبقرية ليست بالضرورة أن تكون مثل (جيمس ماكسويل) العالم الفيزيائي الذي صاغ نظرية الإشعاع الكهرومغناطيسي، ولا (ابن الهيثم) العراقي الذي أسس علم المناظير والبصريات، ولا (توماس يونق) الطبيب الإنجليزي الذي ساهم في علوم الضوء والرؤية وعلم وظائف الأعضاء، ولا (ابن بطوطة)، ولا (وليام شكسبير) ولا (المتنبئ).. ولا ولا... إلخ، من العباقرة الذين اكتشفوا من العلوم ما أضاء العالم ويسَّر الكثير من معاناة الناس ونهضوا بالعالم الى مراقي التطور الذي يعيشه اليوم في الحياة (العصرية)، عبقرية علمية كانت أم أدبية.
- هنالك عباقرة مجهولون استخدموا قدراتهم الفطرية وذكاءهم الخلاق في الخروج بأسرهم من نفق الحياة البائس المظلم الى آفاق الحياة المستنيرة الرغدة السعيدة ومن هؤلاء قلة من النساء، لا نذكرهم مع (جيمس ماكسويل) ولا (ابن بطوطة). ولا مع (أجاثا كرستي) المرأة التي تفوقت على الرجال في القصص البوليسية.
- وقد يقول قائل، إن العبقرية ليست من صفات معشر النساء ولا تشبههن، وإنها صفة للرجال فقط!!
- والرد المناسب لذلك أن معشر الرجال من أنانيتهم اختاروا هذه الصفة ونسبوها إليهم دون النساء، علماً بأن كلمة (عبقري) أصلها من (عبقر)، وهو موضع كانت العرب تظن أنه موطن للجن، ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذقه او جودة صنعته.
- وما رأيكم دام فضلكم في زوجة ساعدت زوجها في رفع المعاناة عن كاهل الأسرة، ومن أمثال تلك في هذا الزمان (نادرات).
- فالمرأة التي تتفنن في ترشيد إمكانيات زوجها المادية -على بساطتها- وتوفر بذلك للأسرة حياة مستقرة آمنة في زمن يبطش فيه ارتفاع الأسعار يومياً بكل أسرة.. ويقتل غلاء التعليم ذكاء أطفال المساكين.. وتحرق معاناة السكن استقرار أسر كريمة، في هذا الزمن تتميز امرأة فريدة بعبقرية فذة في تجنيب أسرتها كل تلك المهالك بالسلوك الرشيد الحلال.
- فإذا اعتبرنا أن لتلك الأسرة من الأبناء سبعة جميعهم في المراحل التعليمية المختلفة، ويسكنون في منزل متواضع بالإيجار، ودخل الزوج وهو عامل او موظف بسيط لا يكفي بالتأكيد لأساسيات الحياة من معيشة وتعليم وعلاج وإيجار ومواصلات يومية، دعك من المجاملات الاجتماعية والمناسبات، وبالرغم من ذلك اذا دخلت منزلهم في أي وقت وجدته.. على تواضعه.. آية من النظافة ودقة في التنسيق والترتيب.
واذا جلست على مائدتهم وجدتها.. على بساطتها.. روعة في فنون الطبخ تخلو من البذخ، وتتكامل فيها المواد الغذائية الصحية، فهي إضافة لذلك شهية ولذيذة ومتميزة.. واذا نظرت الى النظام المنزلي، وجدت ترشيداً في الكهرباء والماء واستثماراً لوقت الأبناء في المذاكرة والتحصيل بإشراف الأم الواعية.. ثم إن زوجها بعد كل ذلك اذا نظر إليها سرته، واذا تحدث إليها أطاعته واذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله وعياله.
- الرجال ينظرون الى عبقرية المرأة إنها تتوارى خلف الرجل، ومن أنانيتهم يقولون: (وراء كل رجل عظيم امرأة).. ويبدو أنهم يعتبرون أن أمام كل امرأة عظيمة رجل!!
- إن العبقرية في العالم جاءت نتيجة احتياجات الإنسان لضروريات الحياة، فاجتهد من حباه الله بعبقرية في خياله وفكره وأخرج للبشرية حلولاً ناجعة.
وكما يقولون ( الحاجة أم الاختراع).
- والعباقرة على مدى التاريخ لا يقلدون العامة، بل ويسخر منهم العامة وهم في بداية الطريق، كذلك فإن المرأة العبقرية اختارت إن اختارت طريقاً سهلاً ينبغي ألا تتأثر بتقليد الأخريات، ولا تبهرها (الشوفينات) وتضع خطة إستراتيجية لرفع مستوى أسرتها، وتجعل من منزلها حقلاً من المنتجات التي تعين به دخل زوجها المادي.
- إن مثل تلك العبقريات هي الأنموذج المبتغى، وكان لزاماً على الدولة اذا وجدتها. اذا وجدتها، أن تكرمها.