الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

board

مصطفى سيد أحمد..إبــداع مستمـر رغــم الرحيـل

كتبت: هادية قاسم
في 17 يناير 1996م فارقت روح المبدع الراحل مصطفى سيد أحمد المقبول جسده بعيداً عن الوطن الذي عشق ترابه وغنى لكل جزء فيه. غادر مصطفى الفانية بالعاصمة القطرية الدوحة التي ذهب إليها مستشفياً بعد أن أرهقته آلام الكلى وبدأ مشواراً طويلاً من الغسيل والرهق. تمر علينا هذه الأيام ذكرى رحيله، وصدى صوته لازال يطرب الجماهير، وأغنياته الخالدة تتردد في الحنايا والمسافات.

في الحنايا
حينما كنت على أعتاب الشباب وفي سنينه الأولى كانت تأسرني كلماته وصوته الفخيم لم أكن وقتها أعرف للفن مدخلاً لكن صوته كان يشجيني فعرفت من خلاله أن الفن يتجسد في إبداع مصطفى سيد أحمد ،وفي الوقت الذي كان فيه أندادي يطربون لمحمود عبد العزيز ونادر خضر وغيرهم كان يستهويني ود سيد أحمد المقبول .كنت كغيري أحرص على شراء أشرطة الكاسيت من مصروفي البسيط وكنت أيضاً أبحث عن أشعار أغنياته لأحفظها ،ووقت أن حصلت على شريط كاسيت لأشعار صلاح حاج سعيد والتي كانت تقرأها الراحلة ليلى المغربي كنت أعتقد بأنني حصلت على مبتغاي . وأحسب أن علاقتي الوطيدة بأغنيات مصطفى سيد أحمد هي قد كانت بداية تكوين شاعريتي وكأنها هي وحدها التي دعتني لاكتشف حاستي الشعرية .
إبداع راقٍ
كانت الفترة التي شهدت عهد مصطفى سيد أحمد ثرية بالفن والإبداع الراقي حيث كانت الجماهير الغفيرة تتزاحم حتى تنال شرف حضور حفلاته ، كانت وقتها المعطيات تختلف كثيراً عن معطيات جيلنا الحالي الذي نجده يميل أكثر الى الكلمة خفيفة الوزن والجوهر وربما كان لتغير المفاهيم والثقافات باعاً كبيراً في التذوق الحسي، وقليلون هم من يتذوقون مثل إبداع مصطفى سيد أحمد،والغالبية العظمى منهم تلهث وراء الغناء الهابط واللحن الراقص .
شعراء رفاق الدرب
تعامل مصطفى سيد أحمد مع أكثر من ستين شاعراً وأبرزهم محمد الحسن سالم حميد والذي لا يقل روعة وإبداعاً من ود سيد أحمد ، تناسقت كلماته مع صوته وكانت الإنسانية قاسم مشترك بينهما ، فحميد كتب لأجل الشعب ومصطفى تغنى للشعب فـ (عم عبد الرحيم ) أشهر عمل جمع بينهما ومن ضمن الأغنيات التي صاغ كلماتها حميد (يا جمة حشا المغبون – هردتا لهاتي بالغنوات –عرق الجباه الشم – طيبة – يا مطر)،وكذلك تغنى للشاعر المرهف عبد العال السيد في (من بعد ما عز المزار وغربة ومطر) والكتيابي في (لمحتك) ،ومع يحيى فضل الله في (أسئلة – ويا ضلنا – ياخطوتك ) وغيرها، بجانب تعامله مع مدني النخلي وصلاح حاج سعيد وعاطف خيري وأزهري محمد علي وغيرهم من الشعراء المتمكنين .
رقم فارق
مصطفى سيد أحمد اسم ونجم لمع في سماء الإبداع فطفق ينثر إبداعه داخل الكثيرين ومهما مرت السنين لن تتغير ملامح ذكراه وسيظل علماً ورقماً فارقاً في عالم الفن السوداني الأصيل ،فقط نحتاج لاحتفاء أكبر ولتوثيق أعظم حتى نخلد إبداعه إرثاً وتاريخاً لا يقبل الجدل .
مفارقات
ما يبث في النفس الحزن أن كثير من أبناء هذا الجيل لا علاقة لهم بالفن الجميل، ومعظمهم لا يعرف الكاشف وعبد العزيز داؤود وأحمد المصطفى وابو صلاح ومحمد ميرغني وابو عركي ومصطفى سيد أحمد بقدر ما يحفظون أغنيات نانسي عجرم وعاصي الحلاني وأليسا عن ظهر قلب مثلما يعرفون استايلات أزياء الفنانة الإماراتية أحلام وأصالة نصري ، ولو سألت أحدهم عن إبداعنا الأصيل لكانت الإجابة علامة تعجب ودهشة واستفهام .هذه المفارقات العجيبة توضح أن هذا الجيل بالفعل قد تأثر بالثقافات الغربية والتي نسي معها ثقافاتنا حتى على مستوى الذوق العام الذي تدهور وتدنى فأصبحت الأذن تطرب للكلمات المتمايعة وتستمتع باللحن الركيك .