الخميس، 17 آب/أغسطس 2017

board

مدينة عبد الله ..أول مفتشـــة لتعليم البنات

صديق علي
أنجبت حواء السودان وما فتئت تنجب الحرائر والرائدات اللاتي برزن في شتى مجالات الحياة , عطاءً وإبداعا وتفردًا , قاسمن الرجل في كل منحى ومعترك وكن أحيانا يتفوقن عليه حضوراً وبذلاً واجتهادًا.  مساحة نفردها لذكر البعض الشهير من هذه السلسلة الذهبية لشخصيات رائدات من نساء السودان , فى لمسة وبصمة وفاء وتقدير واحترام لهن .

شهد تاريخ السودان الأصيل سلسلة وكوكبة خيرة من بناته بذلن ووضعن بصمة في شتى المناحي السياسية والاجتماعية والفكرية والإنسانية والثقافية , ومنذ حتشبسوت, والكنداكة ,وسوبا ,ومهيرة وصولاً إلى مهلة العبادية والفلاتية والطقطاقة وبت بتي وروضة الحاج. نماذج للذكر وليس للحصر, ومدينة عبد الله التي وهبت حياتها في خدمة تعليم البنات, فأفنت زهرة شبابها في هذا المجال الذي كانت تعمل فيه بكل إخلاص..   تحدث لنا العم حسن  محمد عبد الباقي الذي تربطه علاقة عائلية وثيقة بالحاجة مدينة إضافة الى أنه كان يسكن جاراً للأستاذة مدينة؛ فقال: بدأت علاقتي بالأستاذة مدينة في سنة 1950م ,عندما انتقلت إلى ود نوباوي لدراسة المرحلة الوسطى.
ويقول العم حسن: كانت  بمثابة الأم لي, حيث ترعرعت في منزلها ,وكانت  وقتها قد أحيلت للمعاش وكنت أقوم بخدمتها وأرعاها خصوصا وأن ابنها (فخر الدين)  كان كثير السفر والتجوال بحكم طبيعة عمله , فهو يعمل في السلك الدبلوماسي.  وقد أصيبت الحاجة مدينة بمرض السكري اللعين حيث بترت رجليها الاثنتين,  ورغم ذلك لم تترك العمل, فقد كانت تشرف على مدرستها التي تحمل اسمها  إلى أن توفاها الله. فقد توفيت السيدة مدينة عبد الله يوم الخميس الموافق 15/3/1990م.
النشأة
وبالحديث عن المنشأ فمدينة عبد الله  من منطقة شندي, عاشت معظم حياتها في أم درمان وكانت عائلتها لها صلة وثيقة بآل المهدي, حيث تعلمت القرآن في الخلوة داخل بيت المهدي, من مواليد مدينة أم درمان حي أبوروف عام 1901م تربت في كنف والديها وعاشت حياة أسرية مستقرة.  كانت والدتها أمية بينما تلقى والدها تعليماً دينياً وكان يعمل بالتجارة. نشأت السيدة مدينة في أسرة ممتدة وهو وضع طبيعي أن الأسر الممتدة تعتبر من أبرز الأوضاع الاجتماعية في السودان في ذلك الوقت.  تلقت السيدة مدينة تعليمها بمدرسة ود نوباوي الأولية وكانت عند التحاقها بالمدرسة متزوجة ولها ابن مما يدل على رغبتها الأكيدة في التعليم.  وكانت قد تلقت تعليماً دينياً من قبل بجانب معرفتها القراءة والكتابة, وكان التحاقها بمدرسة ود نوباوي لدراسة الحساب حيث قضت عاماً واحداً بالمدرسة التحقت بعده بكلية المعلمات ولمدة عام واحد أيضاً تخرجت بعده لتصبح ناظرة لمدرسة ود نوباوي الأولية ولمدة أثني عشر عاماً.  ذكرت السيدة مدينة بأنها لم تتأثر بمن حولها من المعلمات كي يصبح حافزاً لها للعمل بالتعليم, ولم تكن تحمل رغبة لذلك العمل أصلاً لولا أن تدخل السيد عبد الرحمن المهدي حين طلبت منه مس (ايفنس) المعلمة الإنجليزية في ذلك الوقت أن يرشح لها إحدى معارفه كي تعمل بالتدريس. وكانت مس ايفنس تقصد بذلك السيدة مدينة نفسها, فما كان منها إلا الرضوخ لذلك الطلب والموافقة عليه.  تم اختيار السيدة مدينة في عام1940م لتصبح أول مفتشة تعليم لمدارس البنات بالسودان, فكانت تطوف مدن السودان المختلفة من غربة لشرقه لجنوبه . وقد نالت دبلوم الخدمة الممتازة من الحكومة في عام 1969م وهي أول من أسس مدرسة ليلية لتعليم الكبار في مايو 1940م, وأول امرأة منحت معاشاً في عام1958م , كانت  تدرس اللغة العربية والتربية الإسلامية, حيث عرف حبها الشديد لمهنتها التي لم تتغيب عنها يوماً, حيث بدأت رحلة التعليم في مدرسة أم درمان الأولية بنات .
يواصل حسن حديثه ويقول: تزوجت السيدة مدينة في سن مبكرة وكما ذكرنا أيضاً بأنها التحقت بالمدرسة الأولية وهي متزوجة ولها ابن وهو السفير المرحوم فخر الدين,  كان تعليم زوجها تعليماً دينياً ومهنته التجارة, ولم يسبق للسيدة مدينة الانقطاع عن العمل طوال فترة خدمتها. وذكر العم حسن في مجمل حديثة عن حلم الأستاذة مدينة في إنشاء مدرسة لتعليم البنات , حيث طاف معها لعدة مدن سودانية لجمع التبرعات , وكانت نهاية المطاف مدينة كسلا حيث قامت بتأسيس مدرسة متوسطة للبنات تحمل اسمها في ذات الحي الذي نشأت فيه. وكانت لها عدة هوايات منها التطريز والخياطة كما كانت تميل إلى الشعر القومي. أدت فريضة الحج وزارت الأراضي المقدسة خمساً وثلاثين مرة.