الأربعاء، 28 حزيران/يونيو 2017

board

اللجان لا تكفي ..!!

> لو لم تنشر صحف الخميس الفائت خبر اجتماعها، لما عرفت أن بالخرطوم لجنة عليا لمكافحة ظاهرة التسول .. تسول المواطن وليس الدولة، لأن مكافحة تسول الدولة ــ وهو المسمى القروض والمنح ــ

بحاجة إلى إرادة سياسية تفرض السلام وتحارب الفساد وتوفر مناخ الإنتاج.. ولأن الظاهرة ــ حسب الاستخدام العام ــ تُشير إلى الحدث (غير العادي) فإن التسول ــ في شوارع الخرطوم وكل مدائن السودان ــ لم يعد (ظاهرة) وتجاوز مرحلة الظاهرة بحيث صار (حدثاً عادياً)..!!
> وليس من العدل ربط التسول بالفقر ثم التبرير للمتسول بهذا الربط غير المنطقي، وفي هذا حكم جائر على الملايين من الفقراء الذين تحسبهم أغنياءً من (التعفف).. فالفقراء لا يحترفون التسول، ولا يحتالون على الناس بابتكار فنون التسول، ولو خرج كل الفقراء والمساكين  إلى عالم التسول لما سعتهم الشوارع.. وعليه يجب علينا ألا نظلم الفقراء والمساكين بحيث يتخذهم المحتال غطاءً للاحتيال..!!
> والمُزعج والأخطر ــ في شوارع الخرطوم ــ هو التسول بالأطفال، وهذا ما يجب مكافحته بقوة القانون.. وفي السنغال وهي إحدى دول العالم الثالث والأخير (زينا كدا)، عندما عجزت السلطات عن مكافحة ظاهرة التسول، وضعت لها قانوناً بغرض التنظيم.. نعم قانون لتنظيم التسول .. ومن نصوص القانون المنظم للتسول، منع التسول بالأطفال ثم فرض عقوبة السجن على المتسول .. وخلال أسابيع قضت السلطات هناك على ظاهرة استغلال الأطفال في التسول، ونالت إشادة منظمات المجتمع الدولي ..!!
> فالتسول بالأطفال (جريمة مزدوجة)، أي إن كان تسول القادر على العمل (جريمة)، فإن استغلاله الطفل في تسوله (جريمة أخرى).. بالخرطوم، قبل أشهر، مات بشارع المستشفى أحد الأطفال الذين يُستغلون في التسول، ونشرت الصحف حدث موته، ومع ذلك لم نسمع من ردود الأفعال الرسمية غير التصريح الروتيني (تم فتح البلاغ ــ بالمادة شنو كده ما عارف ــ إجراءات)، وانتهت القضية بلا تحسب لما قد يحدث لطفل آخر.. وعليه، بالقانون الرادع، يجب مكافحة التسول بالأطفال ..!!
> ثم هناك قانون لمكافحة التسول، ولكن لم ــ ولن ــ يظهر أثره في الشوارع.. فالقانون وحده، مهما كان رادعاً، لا يكفي لمكافحة التسول .. وعلى سبيل المثال الأفضل، قبل الحرب، كانت مدينة حمص السورية هي المدينة الوحيدة ــ في العالم ــ  الخالية من المتسولين.. لم يكافحوا المتسول بالقضاء عليه، بل كافحوا التسول بالتخطيط السليم والتنفيذ الجيِّد.. قسَّمت السلطات هناك المدينة إلى قطاعات، وأسسوا في كل قطاع سلطة نشطة مهمتها رصد المتسولين، وجمع تفاصيل حياتهم الاقتصادية والاجتماعية بإحصائية دقيقة، وليست تقديرية كما كل إحصائيات بلادنا..!!
> وعندما وجدت تلك السلطة بعض المتسولين (فقراء)، وبحاجة إلى لقمة العيش، أحالتهم إلى صناديق الرعاية الاجتماعية، لتلتزم لهم بالمأكل والمشرب والعلاج بدعم مباشر إن كان عاجزاً عن العمل، أو بتدريبه على وسائل إنتاج ثم تمليكه تلك الوسائل إن كان قادراً على العمل.. ثم وجدت البعض الآخر من المتسولين ليس بحاجة إلى التسول، ولكنه فاقد تعليمي ويجهل مضار التسول، فأحالتهم إلى دور التربية والتعليم والإرشاد، لتقويم السلوك بواسطة علماء الدين والنفس والاجتماع..!!
> ثم وجدت أجانب بلا عطاء، فأعادتهم إلى أوطانهم.. وما أكثر الأجانب الذين بلا عطاء في بلادنا، ومع ذلك يقول النهج الحاكم: هل من مزيد؟.. المهم، بتلاقح أفكار الخبراء مع إرادة السلطات، ثم بصدقهم جميعاً في تنفيذ الأشياء أعلاها (إحصاء، دراسة، خطة)، كافحوا التسول، بحيث تتربع حمص على صدارة قائمة (مدن بلا تسول)، وبذات النهج حولوا المتسول إلى (منتج ومتعفف).. أي بالرهان على مكافحة فقرهم وجهلهم، قبل الرهان على القانون الرادع أو لجان تجتمع وتنفض بلا جدوى..!!