الأربعاء، 28 حزيران/يونيو 2017

board

الحقيقة والإهدار!!

>  رئيس بعثة السودان بجنيف، مصطفى عثمان إسماعيل، مخاطباً نواب البرلمان، يصف الاقتصاد السوداني بالمعوج وغير المنضبط، ويقر بعدم قدرة السلع والمنتجات الوطنية على دخول منافسات الأسواق العالمية، ويؤكد أن تفاوض البعثة مع السادة بمنظمة التجارة العالمية يمضي بصورة (مهنية بحتة)،

وأن العلاقة بين البعثة الدبلوماسية والجالية السودانية أصبحت (سالكة).. هكذا التصريح .. وكما تعلمون فإن مفردة سالكة الوارد ذكرها تعني جيدة أو حسنة!!
>  وعليه، لو أن العلاقة ما بين البعثة الدبلوماسية والجالية السودانية قد (سلكت)، فعلى البرلمان والجهاز التنفيذي نصح هذه البعثة الدبلوماسية بأن ( تقرّط على كده)، أي دون الخوض في الأسطوانة المشروخة المسماة بالانضمام لمنظمة التجارة العالمية.. فالاقتصاد السوداني غير منضبط، حسب اعتراف مصطفى إسماعيل، فكيف يكون التفاوض مع المنظمة مهنياً بحتاً ؟  هذا تناقض، لأن من شروط الانضمام للمنظمة ألا يكون الاقتصاد معوجاً وغير منضبط!!
>  أي, بهذا الوصف الدقيق للاقتصاد السوداني، يوضح مصطفى أسباب رفض المنظمة لعضوية السودان.. ولذلك، خيرُ للناس والبلاد أن توفر الحكومة الأموال التي تهدرها هذه البعثة الدبلوماسية والوفود التي تتوافد من هنا لتفاوض المنظمة على انضمام السودان .. وفروا أموال البعثة والوفود، ثم إصلحوا حال الاقتصاد المعوج وغير المنضبط .. وبعد الإصلاح، سوف تأتي المنظمة إلى السودان وهي تجرجر أذيالها!!
>  ولكن من المحاسن، لأول مرة يخرج مسؤول للشعب ليحدثهم بالحقيقة التي تحول بين البلاد وعضوية التجارة الخارجية، وهي حقيقة (اقتصادنا معوج وما منضبط).. قبل سنوات، عندما كان جلال الدقير وزيراً للتجارة الخارجية، سأله البرلمان عن موقف السودان من الانضمام لمنظمة والموانع.. وبدلاً من ذكر هذه الحقيقة، قال للنواب متنطعاً : (لن نسمح بإدخال المشروبات الروحية - خاصة البيرة والويسكي - حال انضمامنا لمنظمة التجارة العالمية)، فصفقوا وهللوا وكبروا.. ويومها، لم تستوقفني خصوصية تلك الكحول غير المسموح إدخالها بتشدد (خاصة البيرة والويسكي)، أي ربما تسمح الحكومة باستيراد الكحول الأخرى!!
>  تلك الخصوصية – البيرة والويسكي - لم تكن ذات قيمة أمام قضية رفض عضوية السودان بالتجارة الخارجية، ولا تهليل النواب وتكبيرهم.. ولذلك قلت إن منطق الدقير - بهذا التنطع المراد به تغطية الفشل - كمن يشتري الوتد قبل الحمار.. أي كان يجب إدخال السودان في منظومة دول التجارة الخارجية (أولاً)، ثم لاحقاً يصدر قرار بمنع استيراد كل الكحول أو (خاصة البيرة والويسكي).. ولكن هكذا السادة دائماً ما يغطون فشلهم بمثل هذا الخطاب!!
>  والمُحزن، منذ عقدين وحتى عهد مصطفى هذا، يدفع الشعب السوداني فواتير رحلة جيش من المسؤولين يتوافد إلى جنيف بين الحين والآخر .. يتوافدون ومن هناك يقولون ( كذا دولة تدعم انضمام السودان).. هكذا يخدرون عقولنا منذ عقدين، وحتى يوم خطاب مصطفى .. ولا تزال خزانة الشعب تصرف على تكاليف رحلات المسؤولين إلى جنيف (بلا جدوى).. نعم سنوياً، وأحياناً كل نصف عام، يذهب وفد ثم يعود بخفي حنين و(النثريات).. وهم يعلمون، وكذلك الحكومة التي ترسلهم،  أن للانضمام إلى هذه المنظمة العالمية (شروطاً)، وأن هناك أسباباً - غير سياسية - تعيق انضمام السودان!!
>  تقديم جدول يحتوي على تعرفات جمركية ملزمة ولا يمكن رفعها إلا في حالات خاصة من شروط الانضمام.. فهل قدمت التجارة الخارجية – أو المفوضية التي تم تأسيسها لهذا الأمر أو بعثة مصطفى -  هذا الجدول؟.. نعم، كانت هناك مفوضية ذات ميزانية، وكانت مهمتها التفاوض مع المنظمة العالمية حول انضمام السودان، وأن وفودها أرهقوا عمال فنادق جنيف، وقبلهم أرهقوا خزانة الشعب السوداني، ومع ذلك لم تثمر جولاتهم ومفاوضاتهم إلا المزيد من إهدار المال العام والمزيد من التخدير والتضليل: (لن نسمح بإدخال الكحول)، ثم المزيد من الرحلات ذات (النثريات)!!
>  ثم تقديم قائمة تحدد فيها الدولة الحواجز التي تعترض القطاعات الخدمية والمهنية، مع وضع جدول زمني لإزالة الحواجز، من شروط الانضمام للمنظمة.. فهل قدمت الحكومة هذه القائمة بجدولها الزمني؟.. وهكذا.. فالمعيقات الحقيقية في النهج الاقتصادي الموصوف بالمعوج وغير المنضبط.... منذ نوفمبر (1994)، لا شيء غير الرحلات وخطب البعثات.. لم تكن هناك مؤامرة سياسية تمنع الاستفادة من مزايا التجارة العالمية، أو كما كان يبرر البعض الفاشل.. فالاقتصاد المعوج وغير المنضبط كان ولا يزال (العقبة).. وليس هناك من داع لإهدار المال العام في الوفود والبعثات!!