الأربعاء، 28 حزيران/يونيو 2017

board

الثقفي .. سودانياً

>  الشجاع هو الذي يعرف حجم الخطر، ثم يقدم عليه.. أما المتهور، فهو يختلف عن الشجاع، بحيث لا يعرف حجم الخطر قبل أن يقدم عليه.. والمعرفة بحجم العدو هي مدخل الشجاعة لمواجهة مخاطر العدو بالعدة والعتاد،

بيد أن الجهل بحجم العدو هو مدخل الحماقة لمواجهة مخاطر العدو بلا عدة أو عتاد.. وعليه، فإن الخيط ليس رفيعاً ما بين الشجاع والمتهور، ولا ما بين الشجاعة والحماقة، ولا ما بين التوكل والتواكل!!
>  ولا يختلف عاقلان أن تقلبات طقس السياسة العالمية والإقليمية قد وضعت بلادنا في قلب الأحداث ومخاطرها.. فالقضية ليست حلايب فقط، ولا مياه النيل وسدودها الإثيوبية، ولا أطماع إيران فحسب، بل (من ليس معنا فهو ضدنا)، أو هكذا نهج السياسة العالمية والإقليمية التي أرغمت كل دول المنطقة أن تختار الـ (مع أو الضد)، بحيث لا توجد منطقة وسطى كانت تسمى في السابق ( دول عدم الانحياز).. والحمد لله، فالشعب في بلادنا لا تنقصه الشجاعة في مواجهة الأعداء ومخاطر المرحلة، ولكن!!
>  إليكم هذه الحكاية .. نفى الفاروق عمر رضي الله عنه  ذات عام أبومحجن الثقفي إلى جزيرة نائية، فهرب منها إلى القادسية، وكان سعد ابن أبي وقاص واليها.. وعلم الفاروق بهروب الثقفي إلى القادسية، وأمر سعد بحبسه، فحبسه.. ثم كانت معركة القادسية بقيادة سعد، وعرف ذاك الحبيس أن بني جلدته ينازلون الفرس دفاعاً عن ديارهم، فتوسل إلى سلمى - زوجة سعد - أن تحل قيده وتعطيه البلقاء - فرس سعد - لينال شرف قتال الفرس ثم يعود إلى السجن.. رفضت سلمى، ثم وافقت بعد أن توسل اليها بالأشعار..
>  وانطلق الثقفي بالفرس إلى ميدان القتال، وقاتل وأدهش الجيش وقائده سعد، ولم يكن يعرفه أحد.. وظل سعد يردد حائراً : (الطعن طعن أبو محجن والصبر صبر البلقاء، ولكن أبو محجن في الحبس).. وعندما انتصف الليل، وتوقف القتال، عاد أبو محجن الثقفي إلى حبسه، أي لم يخن سلمى.. ولاحقاً، أخبرت سلمى زوجها سعد بما حدث، فعفا عنه.. هكذا الحكاية.. ومغزاها، مؤلم  أن يقاتل السجين تحت راية السجان، ولو لم يكن الثقفي فارساً محباً لدياره وأهله لما قاتل- تحت راية سجانه - وهو (سجين)!!
>  وعليه، فأن شعبنا شجاع وما في ذلك شك.. وقادر على مواجهة المخاطر - في سبيل وطنه - بصبر الصابرين.. ولن يبخل بالنفس والمال ليدافع عن بلاده.. ولكن ليس عدلاً، ولا من الحكمة السياسية، أن يقاتل شعبنا ويواجه مخاطر المرحلة، كما الثقفي (حبيساً)..  نعم، فلتعلم الحكومة أن حال الشعب أمام مخاطر المرحلة لا يختلف كثيراً عن حال الفارس الثقفي .. فالحبس - بكل رمزيته - كان ولا يزال يضم الحس الشعبي، ومع ذلك يترفع الحس الشعبي عن آلام الحبس، ويغضب للوطن حين يكون العدو - أو المتحرش أو المستفز - أجنبياً!!
>  وإن لم يكن هذا الشعب المخلص، والذي يكظم حزن واقعه الاقتصادي في الملمات، ويترفع عن آلام حاله السياسي عند الشدائد، جديراً بحل تلك القيود عن إرادته، فمن الجدير؟.. وإن لم يكن هذا الشعب المحب لوطنه جديراً بأوسمة الحرية والديمقراطية والعدالة، فمن الجدير؟.. ابن أبي وقاص كان حكيماً حين اعترف بحرية الفارس الثقفي الذي أخلص لوطنه - في  ساعة الشدة  - وأطلق سراحه.. وتلك حكمة تصلح لهذا الزمان، بحيث يرسم بها رئيس الجمهورية والنائب الأول ورئيس الوزراء واقعاً سياسياً يتكئ على سلطة المؤسسات العسكرية فقط لاغير، ثم كفاءة كل أبناء السودان!!
>  أي, خير للوطن أن يدافع عنه شعبه  شريكاً مع جنوده في (السراء والضراء)، وليس أجيراً لنهج حزب، أو حبيساً في (نهج حزب) .. وبالمختصر المفيد، واقع هذا الفارس - شعب بلادي - بحاجة إلى تغيير إيجابي يؤدي إلى إصلاح سياسي شامل يُحاسب المخطئ ويُكافح المفسد ويُحارب المحتكر ويحترم الرأي الآخر، والأهم من كل هذا هو أن تتساوى - في العدل والظلم - كل الأحزاب.. فالشعب لم يعد يثق إلا في مؤسساته العسكرية ولو (خاضت به النار)، وكل المطلوب - في زمان التحرشات والاستفزازات والتحالفات - هو أن تراهن قوات الشعب على الشعب .. الشعب فقط!!