السبت، 29 أبريل 2017

board

الأكبر في إفريقيا!!

>  يُحكى أن الابن اشترى بنطالاً، ووجده طويلاً بزيادة (4 سم).. فطلب من والدته تقصيره، فاعتذرت لظرف ما .. فطلب من أخته تقصيره، فاعتذرت أيضاً لظرف ما .. فذهب إلى الخياط وقصره، وعاد الى المنزل ووضعه في الدولاب.. ولاحقاً، حنَّ قلب الأم،

بحيث ذهبت إلى غرفة الابن، وأخرجت البنطال من الدولاب وقصرته (4 سم).. وبعدها، حنَّ قلب الأخت أيضاً، وذهبت إلى غرفة شقيقها وأخرجت البنطال وقصرته (4 سم).. وفي الصباح، أراد الابن أن يرتدي بنطاله، وإذ به يتفاجأ بأن البنطال أصبح ( برمودة)..!!
>  تلك القصة تحكي عن ثلاثة أفراد اجتهدوا لإنجاز عمل .. ومع ذلك، أي رغم صدق النوايا والجهد المشترك، أفسدوا هذا العمل وتكبدوا الخسائر.. أي لم يكتفوا بعدم إنجاز العمل، وكان من الأفضل ألا ينجزوه، لكي لا يخسروا الجهد والزمن والمال.. ولكن بضعف التنسيق وأزمة التجانس، أفسدوا العمل وأهدروا الجهد والزمن وقيمة البنطال.. وهكذا تقريباً حال مؤسسات الدولة التي تفتقد للتجانس والتنسيق..!!
>  وعلى سبيل المثال، فالحدث اليوم ــ بالصندوق القومي للإمدادات الطبية ــ افتتاح أكبر مخزن دوائي في إفريقيا .. مساحة المخزن وسعته (46.000 متر مكعب).. مكعب وليس مربعاً، ويبدو أن للصيادلة وأدويتهم ومساحات مخازنها لغة ومواصفة (خاصة).. وهي سعة تسع لتخزين استهلاكنا الدوائي لفترة (6 أشهر).. ويتميز المخزن بالتخزين الرأسي - على ثلاث مدرجات ــ بارتفاع (8 أمتار)، ومُجهز بكل أجهزة ومعدات التكييف ورصد درجات الحرارة والرطوبة، ومزوَّد بنظم رصد ومتابعة مخازن الصندوق بالولايات، وكل عمليات الشحن والتفريغ تتم ( آلياً)..!!
>  وتكاليف هذا المخزن، الأكبر في إفريقيا بشهادة منظمات دولية زارتها خلال الأسابيع الفائتة، بلغت (174.000.000 جنيه)، أو كما نقول بالجديد (174 مليار جنيه).. وذلك بنظام التمويل المصرفي (بنك المزارع)، لفترة أربع سنوات أرباحها (55 مليون جنيه ).. فالقيمة الفعلية لتكاليف المخزن (119) مليوناً بالقديم وملياراً بالجديد، وكما تعلمون (لا مليون نافع، لا مليار نافع) لحين عودة الروح للجنيه السوداني.. والمهم.. هذا هو أكبر مخزن دوائي في إفريقيا، ويتم الافتتاح اليوم على هامش اجتماع لجنة الصحة العليا التي يرأسها رئيس الجمهورية ..!!
>  وعليه، هذا إنجاز يُحسب للصندوق القومي للإمدادات الطبية وتستحق إدارته على الإنجاز كل الشكر والثناء.. ولكن نتحدث ــ بلغة أهل الموسيقى ــ عن الهارموني، وهو تجانس الأصوات والآلات الموسيقية وتناسقها في إصدار الأصوات بحيث يكون اللحن طروباً.. وأمام حدث افتتاح أكبر مخزن دوائي في إفريقيا يجب أن ننظر إلى موقف البلاد الدوائي بحيث نعرف إن كان إنجاز هذا المخزن نغماً طروباً أم صوتاً نشازاً؟.. بمعنى هل تكاملت كل الوحدات الصحية وتجانست وتناسقت بحيث تكون حاجة البلاد إلى محض (مخزن كبير)، وناهيك عن أن يكون الأكبر في إفريقيا ..؟
>  وللإجابة عن هذا السؤال، إليكم ما يلي .. يستهلك شعبنا سنوياً أدوية قيمتها ثلاثمئة مليون دولار، نصيب القطاع الخاص منها (200 مليون دولار)، ونصيب الصندوق القومي للإمدادات الطبية (100 مليون دولار).. وللأسف، لم يتجاوز إنتاج الصناعة الوطنية من استهلاك شعبنا (16%).. نسبة إنتاج مصر من استهلاك شعبها (90%)، وسوريا قبل الحرب (94%)، والمغرب (85%) و.. و.. كل الدول العربية تكاد تكتفي أو تكتفي وتصدر (لنا).. حجم الأصناف الدوائية في بلادنا (4599 صنفاً)، ولا تصنع مصانعنا غير (723 صنفاً)، وهي التي تعادل (16%).. وعليه فإن افتتاح أكبر مصنع في إفريقيا كان يجب أن يتجانس مع افتتاح أكبر مخزن في إفريقيا ..!!
 >  ذاك شيء، أما الشيء الآخر فإن دراسات منظمة الصحة العالمية تُقدَّر متوسط الصرف على صحة الفرد في العالم بـ (74 دولاراً)، وتقدر قيمة الرعاية الصحية الأساسية التي يجب أن يحظى بها الفرد في دول افريقيا بما يعادل (17  دولاراً).. ومع ذلك، فإن نصيب الفرد في السودان من الرعاية الصحية الأساسية لا يتجاوز (7 دولارات)، ثم يتمها بالمحايات والأعشاب والدجل والشعوذة حتى يتعافى أو يلقى الله محروماً من أبجديات الرعاية الصحية.. وعليه فإن سد هذه الفجوة الدوائية كان يجب أن يتجانس مع افتتاح أكبر مخزن في إفريقيا ..!!
>  وهكذا.. ما لم يتم تفعيل كل الوحدات الحكومية بحيث تُشكل (دولة المؤسسات) التي تُدير كل مناحي الحياة بالتجانس والتنسيق والتخطيط الشامل والمؤسسية، فلا جدوى لأكبر مخزن دوائي، وأطول نهر دائم، وأخصب أرض زراعية، وأكبر ثروة حيوانية، وغيرها من الكُبريات التي نتباهى بها ثم نقترض من الآخرين ــ أو نشحد ــ قوت العام .. وقزمنا أكبر دولة في إفريقيا بعجزنا عن التجانس.. وما لم تتجانس كل المؤسسات ــ ذات الصلة بالإنتاج الدوائي ــ  في الإنجاز، فإن حال هذا المخزن الدوائي لن يختلف عن حال مخازن الأقطان (المهجورة)، رغم أنها الأكبر في إفريقيا..!!