السبت، 19 آب/أغسطس 2017

board

زيــــد وعــــــبيد ..!!

> تصريح وتقرير نشرتهما (الشرق الأوسط)، نقلاً عن الدكتور مدثر عبد الغني وزير الاستثمار، وفيهما معلومات وأرقام (كثيرة ومُهمة)، وكلها تُشير إلى أن الشفافية التي كانت مفقودة في قطاع الاستثمار قد عادت .. وعلى سبيل المثال،

للمرة الثانية على التوالي تتصدر السعودية قائمة الدول العربية التي تستثمر في السودان، وذلك بحجم استثمارات مقدار (26 مليار دولار).. وتصدرت استثمارات دول الخليج العربي قائمة المشروعات بنسبة (80%)، ثم تلتها استثمارات الدول الآسوية بنسبة (13%)، ثم الدول الأوروبية بنسبة (5%)، وأمريكا وكندا  (1%)، وكذلك الدول الإفريقية (1%) .. !!
> تلك النسب تكشف تأثير الحصار على شركات الغرب، ولكن ليس بالحصار وحده تأثرت شركات الغرب وشركات الدول العربية غير الخليجية والدول الإفريقية والآسيوية.. هناك أسباب أخرى حالت دون تقدم الدول غير الخليجية في قائمة الدول الأكثر استثماراً، ومنها أزمة المؤسسية التي تشرف على الاستثمار بالمهنية المطلوبة، بحيث تتساوى كل الاستثمارات الأجنبية في (الرعاية والحماية).. فالرعاية والحماية التي تحظى بها الاستثمار الخليجي على مستوى السلطات العليا (ممتازة جداً)، ولكن يجب تلكما الرعاية والحماية على مؤسسات الدولة بحيث تحظى بها كل الاستثمارات (الأجنبية والوطنية )..!!
> فالأمر الطبيعي - حين تسير الأمور على سجيتها - هو أن يأتي المستثمر إلى البلاد، ثم يعرض مشروعه على أجهزة الدولة ذات الصلة بالاستثمار بأية ولاية، وليس بالضرورة أن يحتمي بالوالي أوالوزير أوالرئيس.. فالحال يعكس مشاهد غريبة، منها  لو أن مستثمراً قرر زراعة (فدان برسيم)، فهو يبدأ رحلة استثماره بوزيرين ثم بواليين أو ثلاثة، ثم تشاهده في نشرة عشرة مع الرئيس أو النائب .. إدارة الدولة تختلف عن إدارة (القبيلة).. فالدولة حزمة أجهزة وقوانين ولوائح تحمي وترعى وتنظم (الجميع).. وهذه هي المسماة - في بلاد الآخرين بالمؤسسية.. وبقوة المؤسسية  وليست بقوة زيد أو صحبة عبيد.
 تمضي حياة الشعوب الناهضة واستثماراتها بسلاسة..!!
> مع الشفافية مطلوب مؤسسية تجذب المستثمرين من أرجاء العالم، وليس الخليج فقط .. فالمناخ حالياً كما مناخ ما بعد نيفاشا والذي شهد أكبر توافد للمستثمرين في تاريخ بلادنا، ولكن للأسف (شردتهم الفوضى )..ولكي لا نعيد سيناريو التشريد، فالمطلوب إخراج الاستثمار من عوالم العلاقات الخاصة إلى دنيا المؤسسية التي تحمي وترعى كل المستثمرين . وعلى سبيل المثال، حين شرعت إثيوبيا في فتح أبواب الاستثمار، فعقدوا العزم على مكافحة الفساد (أولاً)، ونجحوا في المكافحة بجهاز مركزي سلطة أفراد شرطته أقوى من سلطة رئيس وزراء إثيوبيا..ثم أعدوا خرائط الاستثمار ودراسات جدوى المشاريع..وبعد ذلك، أعدوا قانون الاستثمار الجاذب، فانهمرت رؤوس الأموال .. واليوم، حسب التقارير الدولية، لاتزال إثيوبيا هي الأوفر حظاً في جذب المستثمرين، والأسرع سيراً في درب مكافحة الفساد..وتم كل هذا بقوة المؤسسية وليس بـ (قوة زيد وصداقة عبيد)..!!
> وعليه، فالطريق إلى المؤسسية تمر بمحطات .. هناك شيء في كل دول الدنيا، ما عدا السودان طبعاً، اسمه (الخارطة الاستثمارية)..فالسلطات المركزية المسؤولة عن الاستثمار وهي الوزارات الاقتصادية، بالتنسيق مع الولايات والمحليات والكهرباء والمياه، هي التي تعد وتطبع وتوزع وتنشر الخارطة الاستثمارية.. ولا يتم هذا بعد إجراء الدراسات العميقة على التربة والمناخ وكل عوامل الطبيعة، هنا يصلح الزرع وهنا تصلح الصناعة وهنا تصلح السياحة، ثم بعد مدها بشبكات المياه والكهرباء والطرق .. أو هكذا الخارطة الاستثمارية بحيث تكون الأرض جاهزة للاستثمار الزراعي أو الصناعي ..!!
> ولكن بالسودان، حيث موطن عجائب الأشياء وغرائبها، وما لم تكن محمياً بقوة زيد أو صحبة عبيد، فالخارطة الاستثمارية هي أن تصدق السلطة المركزية لرجال الأعمال بقطع أراضي بإحدى فيافي البلد بغرض الزرع أو إنشاء مدن الأحلام وقلب العالم، ثم تطاردهم السلطات الولائية والمحلية والأهالي بالحاكم في مرحلة التنفيذ حتى يهربوا بجلودهم..هذا أو يتفاجأ المستثمر برفض السلطات مده بالكهرباء والمياه لأنه يزرع برسيماً و ليس قمحاً..فالخارطة الاستثمارية الجاهزة  بدراساتها وبنيتها التحتية وخدماتها، هي التي تٌلزم المستثمر بنوع الزراعة والصناعة.. الخارطة الجاهزة، وليس مزاج المستثمر ..!!
> ثم هناك شيء اسمه (النافذة الواحدة)، وهي أفضل وأحدث النُظم المتبعة (عالمياً)..والهدف من نظام النافذة الواحدة هو اختصار الوقت والجهد وتسهيل الإجراءت لرجال المال والأعمال ..وكما تعلمون، أغلى ما لرجال المال والأعمال هي ليست فقط أموالهم، بل أوقاتهم أيضاً..ونظام النافذة الواحدة لتوفير أوقاتهم (الغالية جداً).. ولكن بالسودان، حيث موطن غرائب الأشياء، فالنافذة الواحدة تعني أن يأتي المستثمر -غير المحمي بقوة زيد أو صحبة عبيد - إلى بلادنا في شهر يناير على سبيل المثال، ثم يغادر البلاد في شهر يناير التالي بأمل العودة وإكمال إجراءات استلام تصاديق مشروعه الاستثماري في شهر (يناير الثالث).. وهكذا.. وعلى كل، يجب ترسيخ المؤسسية التي تحمي وترعى والاستثمارات الأجنبية والوطنية بمنتهى العدل والمساواة ، وليست من الحكمة إهدار الفرصة الأخرى بترسيخ نهج (قوة زيد وصداقة عبيد) ..!!