الجمعة، 24 تشرين2/نوفمبر 2017

board

الراصد.. فضل الله رابح

بكري عديل.. خبا بعد التماعٍ
ليس في وسع أحد أن يضم أو (يخبئ) وهج الشمس ويحجب ضياءها، أو ان يغمض بكفيه عيني القمر، لكن الموت دائماً يحرجنا ليقول لا شيء يبقى على حاله الا وجه الله الكريم،

فها هو مفرق الجماعات مكدر الشهوات الزائر غير المحبوب يخطف منا نجماً آخر (بكري أحمد عديل) في رحاب الله ، غير أنه لا يدرك أن امثال (عم بكري) لا يموتون.. نعم غاب جسده لكن أوجاع الايام الحارقة ونطاق اهتماماته السياسية والاجتماعية تجعله خالداً فينا نقاوم صرخات نساء عشيرته وجيرانه ومعارفه ونظرات الذين تبعوا نعشه وهم يتذكرون جسارته ونزاهته وجديته ووطنيته المعطونة بشهامة قبيلته (حمر) وجغرافيته (كردفان )وبسالة والده الأمير أحمد عديل الذي حارب في معارك المهدية كلها حتى غير الإمام المهدي اسم جده (أعوج) إلى (عديل) عندما عايش بسالته وصدقه وأمانته وتفانيه، وبكري عديل ينحدر من أسرة عريقة وممتدة في كردفان، وكانوا يكنونه في الحملات الانتخابية (بكري عديل حمري أصيل) وقومياً (بكري عديل سوداني أصيل) فهو من بيت ادارة اهلية معروفة بين شراتي قبيلة حمر، وبوفاته قد الحق مفرق الأحبة أوجاعاً جديدة برموز وقيادات قبيلة حمر الذين تكسروا في سرادق عزائه لدغهم الموت ومضى دون أن يتوقف أو يستجيب لحسرة، لكنهم مؤمنون بأن الحياة فانية ولذلك كلما قبروا حبيباً اخذوا من طرف قبره قليلاً من الرمل ليقهروا به حب الدنيا ويسهلوا به وسائل سفرهم الى الله أنقياءً مثلما ذهب (بكري) الذي برغم عطائه للوطن وأهله، كان وزيراً لعدة دورات ثم حاكماً لاقليم كردفان وكسب صيتاً سياسياً، الا أنه كان عفيفاً طاهر اليد واللسان معتمداً على كسبه الحلال، برغم أنه قد انضم الى الحركة السياسية مبكراً حينما كان طالباً في حنتوب وخور طقت وجامعة الخرطوم، لكن نجمه لمع بعد اكتوبر ١٩٦٤م ودخوله المكتب السياسي لحزب الامة، فتوسعت دائرة اهتماماته السياسية وهو من جيل الصادق المهدي ظل محتفظاً بالسمات المميزة له كشيخ عرب وابن بادية في ملبسه وحديثه المثقف، ولم تأخذه التوترات السياسية والتنافسية، وذلك لأن السياسة عنده أخلاق وليست استغلال فوضوى وتكسباً، (بكري) لم يخرج من وطنه لينضم الى الفئة التدميرية ووحداتها المعارضة من الخارج، وبذلك ربح عم بكري وكسب القاعدة العريضة التي شهدت له بالشجاعة والمبدئية وعدم الافلاس السياسي، فامثال بكري عديل حق أن يدرسوا للأجيال ضمن الدراسات السودانية للشخصيات والأمكنة، حتى لا تحطم سيرتهم ويغيب اثرهم لمجرد ادراك الموت لهم وإزاحتهم عن واجهة الحياة، فلا بد من طرق سيرتهم وتوثيقها لأنه سيترك لمحات من الحقائق الكامنة والغائبة المطلوبة، فباستدعاء ذكرى هؤلاء النجوم في المجالات السياسية والمجتمعية يمكن ان نحقق بعض التوازن داخل المجتمعات التي أصيبت باختلالات كبيرة، وبات أبطال الامس نصابين في نظر البعض اليوم، ودب اليأس من اصلاح الحياة في نفوس البعض، واصيبت بعض الاجسام والهياكل السياسية وسط القوى السياسية بالشلل نتيجة غياب الكبار والعقلاء، وخيم الهلع على النفوس، وحتى لا ينسى أمثال بكري عديل وإخوانه ونعجز عن تفسير بعض الظواهر، علينا بالتنقيب في مناكبهم والبحث عن المدهش في حياتهم حتى نقهر الصعوبات ونصحح القناعات التي بدأت تتشكل في أذهان البعض وبمعادلات ظالمة تفترض الاضطراب والنزاع متوالية لا بد منها، وهي دعاوى لتسويق بعض البضائع الفاسدة مثل الاسلحة والادوية الكاسدة، وهي الكذبة التي تكاد تعصف اليوم بالعالم برمته، وامتصت ملايين الشباب تحت وحل وطين التغيير والبحث عن الحرية أو خلق وظائف بديلة ومواكبة الحداثة والتطور وترك الموروثات القيمية، وقد لفت لذلك ــ للأسف ــ وسائط اعلام وتواصل اجتماعي للسيطرة، وبات العالم الافتراضي هو الموضوعي، وهو واقع أفقر المجتمعات من محتواها وسماحتها وجردها من انتمائها الحضاري في كل شيء، واصبح الشباب أشبه باللامنتمٍ غارقاً في فوضى المنافسة والتقليد الأعمى، وبالطبع لعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في كل بلد أثر في ذلك، ولكن هناك احتياج ملح لتفسير كثير من الظواهر التي حلت بالمجتمعات وغيبت ترسيخ مشاعر الحق والقيم السياسية والفكرية التي كان يتمتع بها الرعيل الأول من نخبنا السياسية أمثال بكري أحمد عديل الذي تميز بممارسة العمل السياسي بوضوح وشفافية، وصبر على الابتلاءات محافظاً على أصوله وكرامته ــ بكري عديل فقد لكل السودان وللقوى السياسية التي احتسبته بحزن، ولقبيلته ووطنه الصغير (قبيلة حمر) التي انتشر وسطها نبأ وفاته مثل النار في الهشيم.. رحمة الله عليك عم بكري وأنت تغمض عينيك إلى الأبد متوسداً سيرة يتمناها كل إنسان، غابت لفافة عمامتك التي ألفها الناس وهي محنية إلى الأمام، وأناقتك في وضع الشال، نعم كلها ستغيب ولكن تبقى أفضالك حية تمشي بين الناس، وذكرى عطرة تبلل قبرك وأنت تجاور ابنك في الركن الشمال الشرقي لمقابر أحمد شرفي.

الأعمدة