الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

board

يا أهل العقل في الإنقاذ من يكبح خرائب وزير المالية!! عبد الهادي عبد الباسط

ما زلت أعتقد وأصر أن واحدةً من أكبر مخربات الاقتصاد السوداني وتدمير بنياته الإستراتيجية هي تلك الخصخصة العشوائية والمدمرة التي طاحت بيعا وتخلصا من مؤسسات ضخمة وراسخة كانت ملكا حرا للدولة لاينازعها فيها احد،

 فعبر هذه الخصخصة  تخلصت الدولة من عدد من المؤسسات الناجحة والإستراتيجية للدرجة التي جردت الدولة بصورة قاتلة من مؤسسات ضخمة كانت تمثل ثروة قومية وطنية كان ينبغي الحفاظ عليها وعدم التفريط فيها والعض عليها بالنواجز، وأنا سأعود لهذا الموضوع بالتفصيل في مقالات قادمة إن شاء الله لأوضح تفاصيل تلك المذبحة المأساوية التي تمت في لحظة سهو وغفلة لعدد ضخم من م،ؤسسات القطاع العام التي نبكي عليها الآن دماً ولكني هنا اذكر مثالا واحدا مازالت احداثه تتفاعل في مسرح العبث الاقتصادي لعله يكون عبرة وعظةً وذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد،، كانت بلادنا الفتية تمتلك اكثر من خمسة مطاحن دقيق ملك حر مؤكد ومركوز في سجلات بصورة جعلت الدولة هي المسيطر الرئيس والوحيد في انتاج وتوزيع الدقيق باعتبار ان الدقيق سلعة استراتيجية لاتقبل التلاعب او عمليات  المد والجذر، ثم جاء فطاحلة التنظير قصيري النظر واقنعوا الدولة ببيع تلك المطاحن والتخلص منها ومن ثم خروجها من تلك السلعة الحساسة ولم يصدق القطاع الخاص ان دولة في كامل رشدها وبالغ وعيها يمكن ان تتنازل طواعية وتخرج حافية وحاسرة الرأس من سلعة إستراتيجية رائجة ومضمونة التوزيع مثل سلعة الدقيق، وهكذا دخل القطاع الخاص بعنف وحل محل الحكومة والتي خرجت وهي تظن ان الله قد عافاها من هذه السلعة ومشاكلها، ولم يقصر القطاع الخاص الذي ملأ الساحة بمطاحن ضخمة سيطرت تماما على اسواق الدقيق وحققت ارباحا ضخمة، ولم يتأثر المواطن سلبا بهذه النقلة في الملكية في بداية الامر لان الدولة كانت حينها شبه مترفة وعملتنا شبه مستقرة بفعل الاثر الايجابي لموارد البترول، ولأن قراراتنا الاقتصادية دائما قصيرة النظر ولا تنظر ابدا للمستقبل ولاتتحسب لليوم الاسود وتقلبات الدهر استيقظت فجأةً  وزارة ماليتنا  بعد خروج بترول الجنوب وتدهور قيمة عملتنا الوطنية استيقظت ووجدت نفسها مضرة لدعم الدقيق عبر توفير ملايين الدولارات وبالسعر الحسابي لتلك المطاحن حتى تحافظ على أسعار الدقيق، وتذكرت وزارة المالية فجأةً وبعد ان باعت تلك المطاحن وتخلصت منها تذكرت ان سلعة الخبز سلعة استراتيجية وخطيرة لايمكن تركها لعوامل العرض والطلب ومجريات الاسعار الحرة، وهنا جن جنون وزارة المالية وهي ترى تلك الملايين المملينة تذهب (ميري) الى اصحاب تلك المطاحن، ومع جنونها اصابتها الغيرة والحسد واصبحت تعاكس تلك المطاحن وتضيق عليها الخناق تارة عبر اجراءات بنك السودان وتارة عبر فتح الاستيراد للدقيق، وهكذا اصبحت وزارة ماليتنا تلطم الخدود وتشق الجيوب وتبكي ببكاء الجاهلية ولم يسألها احد لماذا تنازلت طوعا عن حقوقها واملاكها التي هي اصلا حقوقا واملاكا للشعب السوداني لمن ترى انه لايستحق . ما دعاني لهذه القصة المأساوية وهذه المقدمة الحزينة هو تذكير القائمين بالأمر ان عمليات نزيف وهدر مؤسساتنا العامة مازالت مستمرة!!، وتذكير وزير ماليتنا الموقر بعد تصريحاته التي حملتها صحف السبت الماضي والتي يصرح فيها أن الدولة ستحول مصانع السكر إلى شركات مساهمة عامة وهذا التصريح يبين أن وزارة ماليتنا الموقرة ما زالت سادرة في غيها غائصة في تخبطها الذي أصبح في كل يوم يولد فاجعة اقتصادية وفي كل ساعة يهدر ثروة قومية، وهذه التصريحات تبين ايضا ان كل تلك المؤسسات الاقتصادية المتزاحمة التي يعج بها حزب المؤتمر الوطني هي مؤسسات نائمة لا تقرأ واذا قرأت لاتراجع واذا راجعت لاتحاسب، فالسيد الوزير وبعد قراراته وإجراءته الاخيرة التي اربكت الوضع الاقتصادي وشعللت السوق ودمرت قيمة العملة السودانية وهوت بنيران اوضاعنا الاقتصادية سبعين خريفا  مر آمنا مطمئنا لا يلوى على شيء كأنه  لم يقحم الشعب السوداني في ضر قد مسه، ويبدو أنه  قد  وطن  نفسه على الكرسي ونسى غضبته امام البرلمان ونسى ( قصة استقالة ديسمبر ) وأصبح يواصل في إطلاق التصريحات ويواصل في إصدار القرارات  التي تسفك دماء مابقى من مؤسسات الدولة الاستراتيجية والحيوية بدم بارد ودون ان تطرف له عين ودون ان يرفع حزبنا الحاكم حاجب الدهشة او يلوح بصوت الحساب، ولذلك أنا أبشر ماليتنا الغافلة منذ الآن أنها ستبكي دماً إذا فرطت في مصانع السكر وفق ذات تلك النظرة الضيقة التي ظلت تتعامل بها وزارتنا مع المؤسسات العامة والتي افقدتنا مؤسسات ضخمة واعدة وجردت بلادنا من بعض مكامن قوتها، ولتعلم وزارة ماليتنا أن سلعة السكر في السودان لا تقل إستراتيجية وحيوية عن سلعة الدقيق، وإذا كانت بعض المصانع بها بعض المشكلات عالجوا تلك المشكلات حتى تنطلق تلك المصانع كما يحدث تماماً في شركة سكر كنانة تلك الشركة الناجحة والتي تحقق أرباحاً طائلة فليس هناك ما يمنع أن تصبح كل مصانع السكر شبيهة ونداً لسكر كنانة وهي تحت كامل ملكية الدولة ودون الحاجة لأي شريك فقط المطلوب حسن استغلال الموارد وحسن توجيهها وحسن اختيار إدارتها حتى لا تصحو الدولة وتجد ان مصانع السكر قد فلتت وانسربت(عبر مطار هثرو) من تحت قبضتها كما حدث تماماً لمطاحن الدقيق واخواتها!! .

الأعمدة