الأربعاء، 17 كانون2/يناير 2018

board

دور الآليات المحلية في فض النزاع

بروفيسور عبده مختـار
شاركتُ في منتصف ديسمبر الماضي في مؤتمر "الأزمات والنزاعات في الوطن العربي: نحو تجاوب محلي" الذي نظمه في العاصمة القطرية الدوحة مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني التابع لمعهد الدوحة للدراسات العليا (الذي خرج من عباءة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات).

و"يعتبر هذا  المؤتمر هو الأول من نوعه من حيث التركيز على مفهوم "التجاوب المحلي" من منظور متعدد وعابر للتخصصات فيما يتعلق ببناء السلام، والإشكالات الإنسانية والتنموية التي يواجهها العالم العربي". ونظّـم المركز هذا المؤتمر بالتعاون مع معهد دراسات السلام في أوسلو (PRIO)، ومعهد لاهاي للعدالة الدولية و مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UN-OCHA)، وجامعة (ينا) الألمانية.
تم تقديم حوالي 26 ورقة تم تقسيمها إلى (6) محاور على مدى يومين؛ وشمل ذلك التجارب العالمية في عملية الاستجابة المحلية للأزمات، الثقافة المحلية ودورها في بناء السلام، دور المجتمع المدني في بناء السلام، العدالة الانتقالية المحلية، الاستجابة المحلية والدولة الهشة، المرأة والشباب في الاستجابة المحلية..
وربما كان التساؤل المطروح من ناحية مفهومية: هل المقصود بـ"التجاوب المحلي" هو الآليات المحلية – مثل القبيلة والعشائر أو المجالس المحلية، أم المقصود هو منظمات العمل الطوعي والإنساني المحلية/الوطنية مقابل المنظمات الدولية/الخارجية؟ لكن البروفيسور/ سلطان بركات مدير المركز حسم هذا الجدل منذ الجلسة الأولى وقال المقصود الاثنين معاً.. وأشار إلى أن تكامل العاملين الدوليين والمحليين هو عملية توطين للعمل الإنساني وبناء السلام (localization). وفي السياق المفاهيمي ذاته تحدث السفير محمد المريخي (المبعوث الإنساني للأمين العام للأمم المتحدة) عن ضرورة فهم الثقافة المحلية من حيث نوع الأكل الذي يناسب المحتاجين وكذلك ضرورة حفظ الكرامة عند تقديم العون أو الإغاثة بطريقة لا تجرح كرامتهم. وأوضح أن هذا المفهوم استحدثته الأمم المتحدة في مؤتمر لها في تركيا عام 2015، ويستند إلى رفع قدرات المجتمع المحلي وتمكين الشباب وتوجيه طاقته للخدمة في وقت النزاع ليخدم بصورة مبتكرة وبإخلاص. أي أن المجتمع المحلي يخدم نفسه. وأشار إلى ضرورة التمييز بين التنمية والعمل الإنساني. في أول يوم في الأزمة الإنسانية يجب أن تبدأ التنمية.
تحدث ممثل الهلال الأحمر (دكتور محمد المعاضيد) حيث تناول دور الهلال الأحمر في وقت النزاعات والصراعات وأنه في هذا المجال تعمل 180 منظمة صليب وهلال أحمر منذ 150 سنة حيث تعمل في كل العالم. وهو أكثر جهة تحتاج للتجاوب المحلي لذلك يتم تدريب الكوادر على فهم القضايا وفهم المناخ وأبعاد الصراع والدعم النفسي وأن المجتمع المحلي هو المتجاوب أو المتفاعل الأول (first respondent). وهنا اتفق المؤتمرون على ضرورة الحياد وعدم التحيز في تقديم الخدمات والعون الإنساني للمحتاجين (في إشارة إلى توزيع الإغاثة يجب أن لا بحابي العامل في المجال منطقته أو قبيلته في عملية التوزيع). كما تناول المؤتمرون التعقيدات السياسية التي تواجه العمليات الإنسانية وعمليات بناء السلام. وقد أشار أحد المتحدثين مثلاً إلى أن الرئيس الإثيوبي الأسبق (منقستو) قام بتحويل أموال الإغاثة إلى شراء أسلحة. ومن التحديات تراجع المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة بنسبة 50%.
كما أشار أحد المتداخلين إلى تجربة الهلال الأحمر في الجنينة بولاية غرب دارفور السودانية حيث تم صرف ملايين الدولارات لبناء قرية نموذجية لإعادة توطين النازحين واللاجئين ولكن لم يسكنها أي شخص بسبب خلاف قبلي! لكن بالمقابل أشار إلى تجربة ناجحة في الولاية ذاتها لأن المشروع قام على دراسة ميدانية حيث كان يسألون المواطنين ماذا تريدون؟ وأين يكون المشروع؟ وما شابه ذلك..
وتضمن المؤتمر الإشارة إلى ضرورة وجود الإرادة السياسية لتحريك التجاوب المحلي ولتوطين العمل الإنساني وتفعيل الآليات المحلية للمشاركة في عملية بناء السلام. وتمت الإشارة إلى تحديات تعوق التجاوب المحلي والعمل الإنساني وتعوق عملية بناء السلام ومن أمثلة ذلك فشل دولياتي وهشاشة المؤسسات كما هو الحال في الصومال. غير أن مقدم ورقة الصومال أشار إلى أن الصومال تتكون من قبيلتين فقط ويمكن عن طريق التزاوج والمصاهرة بينهما إذابة الخلافات وبناء دولة مستقرة. وأشار أحد المتحدثين إلى التحدي الذي تطرحه الأزمة السورية في هذا السياق. وأكبر تحدٍ وتعقيد هنا مصدره النظام السوري نفسه، حيث أنه لا يهتم بإعادة الإعمار وإعادة النازحين واللاجئين ولا يهتم بالأموال، لأنه يملك هامش مناورة عالٍ تحت حماية الروس والإيرانيين. تحدث باحث من ليبيا عن دور الشباب والمرأة، وقال إن الشباب هو جزء من المشكلة وأيضاً جزء من الحل. وقال إن المرأة الليبية تحتاج لـ "تمكين وحماية و وقاية". وأنها هي التي أوقدت شرارة الثورة الليبية (ثورة 17 فبراير 2011) حيث بدأت تظاهرة نسائية أمام السجن وهن يطالبن بإطلاق سراح أبنائهن، ثم أمام مبنى الأمن لمعرفة مصير المعتقلين.. ودعا لتكريس مصالحة مستدامة وتنمية مستدامة تكون المرأة في قلب العملية. لكن بالمقابل أشار متحدث آخر إلى أن الوضع في ليبيا معقد ومتأزم وينطوي على انقسام وصعوبة الوصول للمجتمع المدني كما هو الحال في الجزائر حيث أن المرأة ممثلة تمثيلاً شكلياً، وأن الأعيان مسلوبي الإرادة ولم يأتوا بديمقراطية من قواعدهم، بل فرضتهم جهات أخرى وهذا قلل من دورهم الفعلي في التجاوب في المجتمع المحلي. أما بالنسبة لتدخل الأمم المتحدة، فقد كان الاختلاف حول تعريف الإرهاب قد أضر بالمحتاجين، حيث لا تقوم الأمم المتحدة بأية وساطات إذا تم تصنيف أحد الأطراف بأنه إرهابي كما هو الحال بالنسبة لحماس في فلسطين، وبالتالي يدفع المواطن في غزة الثمن. كما أن الحديث عن وجود جماعات إرهابية جعل كثير من المنظمات تنسحب.
تمت الإشارة في المؤتمر إلى تجارب ناجحة في التجاوب المحلي لدول مثل تركيا والصين والفلبين التي تعرضت لكوارث مثل الزلازل حيث واجهت الكارثة بجهد محلي، واستفادت من المنظومة الإنسانية التقليدية لفترة قصيرة، ثم طلبت منهم الخروج. وأشاروا في هذا الصدد إلى طرد الحكومة السودانية بعض المنظمات الطوعية الدولية لاتهامها بأنها تمارس عمل استخباراتي وتتدخل في الشؤون الداخلية للدولة وأنها وراء صدور قرار الجنائية الدولية ضد الرئيس عمر البشير.
وقد قدمت ورقة بعنوان: "معوقات بناء السلام في السودان-حالة دارفور" أشرتُ فيها إلى دور الإدارة الأهلية في عملية بناء السلام، إلا أن الضعف الذي أصابها بفعل التسييس أقعد بها عن أداء دورها التقليدي في الوساطة والمصالحة وحل النزاعات. كما أن حلها في وقت سابق دون أن تملاً الفراغ مؤسسات قانونية وعدلية وإدارية في كثير من المناطق أدى إلى وجود فراغ إداري نتج عنه فراغ أمني وأسهم ذلك في تصعيد وتعقيد أزمة دارفور خاصة بعد أن تقاطع ذلك مع الاستقطاب السياسي/الإثني بين الحركات المسلحة والحكومة. وقلت ُ إن الحل هو في تمكين الآليات والمجتمعات المحلية بالتنمية والتعليم ونشر الوعي حتى تنحسر الإدارة الأهلية تدريجياً كما هو الحال في الأقاليم المتطورة نسبياً في السودان. لكن حتى يتم ذلك يجب عدم التدخل (بالتسييس) في عمل هذه المؤسسات الاجتماعية التقليدية التي تشكل – مع العُرف – عناصر ضبط اجتماعي.
شارك من السودان الدكتور محمد عوض عثمان (البارودي) – وهو سوداني يعمل في مركز كارتر بأمريكا، وقد قدم ورقة عن "الانتقال من الحرب إلى السلام في السودان: طرق التشاركية بين المجتمعات"، والدكتور نزار ماشا، نائب مدير مركز دراسات السلام في جامعة الدلنج والذي قدم ورقة عن "دور الأساليب والمناهج المحلية في فض النزاعات وبناء السلام"، والدكتورة سحر الفكي من قسم العلوم السياسية التي قدمت ورقة عن "دور المجتمع وتحديات ربط الإغاثة بالتنمية خلال حالات العمل الإنساني المعقدة والطارئة: دراسة حالة السودان".

الأعمدة

خالد كسلا

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

بابكر سلك

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

إسحق فضل الله

الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018