الإثنين، 19 شباط/فبراير 2018

board

مبادرة كونفدرالية وادي النيل

الخطيب عوض ماهل
 لا يخفى على أحد ما يحاك للمنطقة وخاصة لمنطقتي وادي النيل من أطماع ومشاريع تستهدف وحدة وسيادة هذه الدول للاستيلاء عليها تحت ذريعة فشلها وشيطنتها والاستثمار في خلافاتها ،

ولا يخفى على أحد كذلك أن ظهور داعش في العراق وسوريا منشأه الخلاف بين الدول وعدم التوافق فيما بينها وبين مكوناتها، الامر الذي يفرض ان تُحمل القضايا محمل الجد وفق آفاق وروئ استراتيجية تقوم على التكافؤ. فعدم التوافق والتعاون او السعي لزيادة التفوق والبحث عن القوة في هذه المنطقة الهشة لن يزيد الامر الا تعقيداً ومزيداً من الدمار والخراب وما يتبعه من ازمات متلاحقة ترتد على الجميع لن يأمن منها احد وسوريا مثال التي انتهت الى تهجير اكثر من 10 ملايين سوري بعد 7 سنوات حرب مثلت كارثة إنسانية ووطنية، كانت من صنع الخلافات لكل دولة كانت تريد تحقيق مصالحها على حساب الدول الأخرى، حيث امتدت اثارها الى عبور الحدود السورية الى العراق الذي مسته آفة الدمار والخراب أيضاً  .ولذلك صحيح ان تاريخ العلاقات السودانية المصرية قد شغلته الكثير من التوترات والخصومات على الصعيد الرسمي لفترات طويلة تفوق سنوات التوافق والتعاون. والتي تتخذ اليوم مساراً اكثر حدة بعد دخول عامل سد النهضة على خط الازمة القابع اصلاً والتي لا يملك السودان فيها سوى انه مفعول العلاقات السودانية المصرية لا فاعل كما تعتقد مصر، إضافة الى القضايا الاخرى التي تسعى من خلالها مصر واثيوبيا الى امتلاك مناطق نفوذ لاستثمار حضاري وتاريخي الى جانب التسابق نحو السيطرة والتحكم لاسباب القوة الاستراتيجية.
فقضية سد النهضة إضافة الى انها تمثل هاجساً كبيراً لمصر لفترة ملء الخزان وانخفاض النيل وآثاره وتبعاته فهي قضية تمثل كذلك هاجساً لاثيوبيا، من حيث إنه اوجد لها توتراً سياسياً وتخوفاً من العدائيات المصرية، بجانب تمثيله كذلك هاجساً للسودان من حيث إنه جعل السودان امام خيارين احلاهما مر، بحيث اذا ساند اثيوبيا ولو بطرفة عين يواجه بالعدائيات المصرية والعكس صحيح ! فسد النهضة هو مشكلة في الاساس ؟ فكيف الحل ؟ وماهو حلها ؟ واين يمكن؟.. ففي اعتقادنا ان حل مشكلة سد النهضة لا يمكن ان يتم ولا يمكن ان يتحقق بالاطار الضيق المنحصر في سد النهضة فقط انما هي مشكلة يجب ان تحل في اطار عام هذا الاطار يشمل منطقة وادي النيل باثرها فلابد ان تنفتح الابواب لمبادرة نسميها مبادرة الكمفودرالية بين دول وادي النيل علماً ان الفدرالية هي داخل الدولة الواحدة وبين اقاليمها واما الكومفدرالية تكون بين الدول فهي مبادرة الكوفدرالية بين دول وادي النيل باثرها محور هذه المبادرة هي الامن الغذائي الذي يتحقق به الامن القومي لكل الاطراف او لكل دول وادي النيل ،سنفصل فيها تباعاً عسى ولعل ان نفهم بحل هذه المعضلة الشائكة بين المسلمين في المنطقة بل الانسان فيها.
داخلياً يبقى نجاحنا بتعاوننا ومن خلاله يقف العالم معنا ويساعدنا، ولكن لا ينبغي ان نسمح بأن تؤثر الخلافات السياسية على التنمية الاقتصادية داخلية كانت او خارجية تتمثل في الانفتاح القادم. ولنفتخر بالوحدة التي نيل بها الاستقلال ولنستذكر كيف وقف الجميع في خندق واحد للحفاظ على بقاء السودان واحداً موحداً وما زال.
 وكما وجهت رئاسة الجمهورية بتشجيع وزيادة التبادل التجاري مع دول الجوار، يجب علينا السعي كذلك عبر دبلوماسيتنا الرسمية والشعبية لاقامة علاقات طبيعية مع جميع دول الجوار دون تنازل عن مصالح شعبنا وبلدنا وثوابتنا الوطنية والتركيز على المشتركات وتبادل المصالح بدل الخلافات ،مؤكدين انه لا يمكن ان نعزل انفسنا عن العالم في زمن التواصل و بامكاننا تحصين انفسنا بوحدتنا وتماسكنا. معربين عن تفاؤلنا بمستقبل السودان ونمو اقتصاده في فترة قصيرة مقبلة في ظل صداقة العالم و الاجراءات الناضجة والاستثمار الامثل والصحيح للنفقات والمال العام. خلاصة القول.. برأيي ومن دافع الشعور بالمسؤولية بأن دول وشعوب المنطقة لها تحديات وأهداف مشتركة كثيرة وضرورة أن نطرح مبادرة شاملة بأبعاد تنموية واقتصادية بالدرجة الأساس ،من شأنها إعادة صياغة علاقات سياسية تقوم على أساس التنمية وبسط الأمن بدل الخلافات والحروب بين دولنا وشعوبنا على أسس سليمة ودائمة يتم فيها تقبّل المتغيرات التي تتسارع وتتراكم والتي قد لا تكون في مصلحة من يريد المصلحة الفردية على حساب مصلحة الاخر.
وهنا تكمن الاهمية في كيفية الوصول الى مكاسب سياسية وفنية ترضي جميع الاطراف بمن فيهم مصر التي تتوجس حقيقةً ويتزايد قلقها من فترة ملء البحيرة لسد النهضة ومترتباته عليها وعلى انسياب حصتها المائية، الشيء الذي يمكن للسودان ان يقدم فيه حلولاً واقعية لتبديد هواجس مصر وتنازلات يشترط فيها ان تقابلها مصر بقبول التحكيم الدولي او التكامل مع السودان في حلايب، حتى يستطيع السودان ان يتوسط لاثيوبيا او عله يكافئ مصر بتجديد التسليف لمصر حتى فترة ملء الخزان وتأسيس مراكز ابحاث لدرء آثار الفاقد لمصر ،وإعادة النظر في سدود السودان كسد الروصيرص اذا تم تأمينه من جانب اثيوبيا باتفاقية دولية تحفظ هذه الحقوق حرصاً على أزلية العلاقة. وهنا تأتي المبادرة التي نسميها مبادرة كونفدرالية وادي النيل التي تقوم على النقاط الاتية :
أولاً: إن المصالح مشتركة ولا يمكن تحقيق المصلحة الفردية دون مصلحة أن أحقق مصلحتي وأن احقق مصلحتك فهناك مشتركات، فالصراعات الدائرة في المنطقة لم ولن تجلب لشعوبنا سوى الدمار والتخلف، وقد تسببت بنزف هائل للطاقات البشرية والطبيعية وضياع لفرص التنمية والتقدم. إن إطفاء هذه النزاعات المدمرة وحقن الدماء ووقف سياسات التدخل لإذكاء الصراعات هي القاعدة الصحيحة والبديل الوحيد للانطلاق لعهد جديد من التعاون والبناء. إن من الخطأ أن تنظر دول المنطقة لمصالحها بشكل منعزل عن مصالح الآخرين وأن الرؤية يجب ان تتمثل في أن نعمل بشكل مشترك لبناء مصالحنا واقتصادياتنا بشكل تكاملي دون معزل عن بعضنا البعض فكما أثبتت الظروف أن الأمن لا يتجزأ فكذلك الاقتصاد والتنمية والرفاهية لا يمكن أن تتحقق في دولة دون أخرى ودون أن ننهض معاً ستتعثر كل مشاريع التنمية والاستقرار. إن مجموعة الجهود يجب أن تضاف بعضها لبعض لتكون محصلة مضافة لنا جميعاً.
ثانياً: التنمية الاقتصادية فيجب السعى لتأسيس علاقات دائمة وعميقة وراسخة بين شعوبنا وألا نقصرها على العلاقة بين الحكومات لأن العلاقة بين الشعوب تضمن استقرار العلاقات أمام التحولات السياسية لتنزل الى الغرف التجارية والبورصات والى المستثمرين ومواطني المنطقة.
ثالثاً: يجب أن نعطي بارقة أمل كبيرة للشباب وألا يتركوا للثقافة السلبية ولقوى التطرف والغلو الذي يستغل طاقاتهم بالاتجاه السلبي وينقلهم من خندق البناء إلى خندق القتل والهدم. إن إعطاء الأمل بدل اليأس من خلال برامج توفر فرص عمل للشباب من خلال التأهيل والمشاريع المنتجة يعطي قوة وزخماً هائلين باتجاه إصلاح المجتمعات.
رابعاً: إن الاتفاق على برنامج تنمية شاملة والاستخدام الأمثل للطاقات هو البديل الصحيح في ظل سياسات عادلة على أساس المواطنة والمساواة بالحقوق والواجبات دون تمييز. وبالإضافة إلى مشاريع التنمية على المستويات الوطنية لا بد من العمل والتنسيق لنهوض المنطقة ككل، حيث لا يمكن تحقيق الأمن والسلام والرفاه في المنطقة إذا بقيت الهوة كبيرة بين شعوب غنية وأخرى فقيرة.
خامساً: إن انشغال دول المنطقة بالصراعات فيما بينها وعدم استثمارها لمواردها بالشكل الأمثل همش دورها محلياً وعلى المستوى العالمي. إننا نرى وجوب أن يكون العمل الجدي هذه ا لمرة وأن تتطلع دول منطقتنا موحدة لان يكون لها صوت مسموع ومؤثر في صناعة القرار على كل المستويات العالمية والمحلية من أجل أن يصبح العالم أكثر أمناً وعدالة ،من خلال تطبيق هذه النقاط التي نهض بها الشرق والغرب وإلا فلتبحث حكومتنا عن علاقات دولية جديدة وحقيقية فليس المطلوب من التعايش التنازل بل المطلوب ان يحترم كل طرف حق الآخر في العيش بما يعتقد وما يريد ،شريطة عدم إضرار الاخر وهذه تعرف بالواقعية والمنطق وخلافها التوهم والانفصام والسقوط في زمن التواصل ،فالسودانيون حققوا المستحيل بتضحياتهم وهزموا الاستعمار وخرج السودان عزيزاً موحداً فكيف نحقق الاصعب والمستحيل ونعجز عن الواقع ومتطلباته الحضارية والإنسانية  .