الإثنين، 19 شباط/فبراير 2018

board

مشروع الجزيرة لا جديد تحت الشمس!!

صديق البادي
إن مشروع الجزيرة وامتداد المناقل هو أبو المشاريع الزراعية المروية في السودان، ويعتبر أكبر مشروع زراعي في أفريقيا وهو من الأصول الاقتصادية القومية الكبرى قبل أن تطاله يد التدمير والتخريب.

وكان لعدة عقود متصلة من الزمان هو الداعم الأكبر للخزانة العامة ومن أهم مصادر جلب العملات الحرة وساهم في التنمية والتعمير والخدمات في كثير من أرجاء القطر مع مساهمته بقسط وافر في تسديد الفصل الأول المتعلق بالمرتبات لأن ملكية المشروع عامة لكل السودان. وفي عهد الديموقراطية الثانية كان الشريف حسين الهندي وزير المالية يولي هذا المشروع اهتماماً كبيراً لاعتماده عليه في سد العجز، وكان القطن طويل التيلة الذي ينتجه المشروع مرغوب فيه عالمياً وتسعى عدد من الدول لشرائه وكان الهندي يستدين ويأخذ قروضاً قصيرة المدى لسد العجز في الموازنة والضمانة للتسديد هي مبيعات القطن، ولذلك كان الهندي يقوم بجولات عملية ميدانية يزور فيها المحالج والحواشات ويقف على الحقائق بنفسه مع رفضه لأي استقبالات وحشود وهتافات وتلبية دعوات تضيع وقته وتعيق عمله وكان يعتبر أن ما يقوم به هو عمل تنفيذي بحت، أما الليالي السياسية والندوات التي يشارك فيها فتلك مجالها آخر لا علاقة له بعمل الدولة.
وإن من أهم أهداف البريطانيين عندما فكروا في إقامة مشروع الجزيرة هو زراعة وإنتاج القطن وتصديره لمصانع لانكشير. وقضى كتشنر فترة قصيرة حاكماً للسودان وحل محله ونجت باشا. وكان من بين مهام كتشنر عندما نقل من السودان وأضحى معتمداً للحكومة البريطانية بمصر هو متابعة قيام مشروع الجزيرة الذي ابتدر العمل فيه بقيام مزرعة تجريبية في عام 1907 وامتدت المسيرة الطويلة حتى الآن عبر مراحل عديدة لا يتسع الحيز لإيراد تفاصيلها وفي عام 1925 اكتمل قيام خزان سنار وقبل أكثر من خمسة وخمسين عاماً أقيم امتداد المناقل. وإن المشروع العملاق طوال مسيرته منذ عهد الشركة وما بعدها، وفي ظل العهود الوطنية المتعاقبة شهد نظاماً إدارياً ومالياً محكماً ومنضبطاً، وكانت زراعة كل محصول في كافة مراحله تتم في وقت محدد وكذلك كانت الصرفيات (علاوات وسلفيات زراعية وأرباح) تتم في وقت محدد معلوم مع تسلسل هرمي في الأداء والعمل بانضباط بدءاً من مكتب التفتيش والأقسام التي يضم كل منها عدداً من المكاتب صعوداً لرئاسة الإدارة ببركات وكان جل العمل في مكاتب التفتيش يتم ميدانياً في تناغم وانسجام بين الباشمفتش والمفتشين والباشخفير والخفراء والصمودة والمزارعين ركيزة الإنتاج والكتبة والمحاسبين والمخزنجي ومجالس الانتاج. وكانت للمزارعين هيئاتهم التي تمثلهم وتتحدث باسمهم بتفويض منهم مثل هيئة الممثلين التي كونت في عام 1947 وعدل نظامها الأساسي وأضحت تسمى هيئة المزارعين التي كونت في عام 1952 وعدل دستور الهيئة ونظامها الأساسي بعد إلغائها وكون اتحاد المزارعين في عام 1954 وتوالى بعد ذلك تكوينه عقب انتهاء كل دورة وتباين أداء الاتحاد في دوراته المختلفة بين القوة والضعف وبعضها كان مجرد ظل باهت للسلطة الحاكمة يأتمر بأمرها وتكون هي الصوت ويكون هو الصدى. وألغى نظام اتحاد المزارعين وأعلن عن قيام شكل جديد هلامي يسمى جمعيات المنتجين التي تضم المزارعين والرعاة وجل المزارعين لا يحسون بوجودها ولا يعرفون عنها كثير شيء.
وإن من حق أي نظام حكم أن يسعى لتقديم ما يرى أنه الأفضل وهذا يقتضي من واضعي السياسات الكلية أن يخضعوا على سبيل المثال رؤيتهم لمشروع الجزيرة وامتداد المناقل لدراسات جادة يضعها أهل الاختصاص من العلماء والخبراء المختصين ويشترك فيها زراعيون واقتصاديون وإداريون وبيوت خبرة ومزارعون منتجون (وهم أهل الجلد والرأس) ولكن بعض السياسيين الذين يُنظِّرون ويخططون في الحجرات الباردة المكيفة ولا يعرفون شيئاً عن ما يدور في الحقل والحواشات والزراعة والمزارعين والانتاج والمنتجين فإنهم بما كان لهم من سلطات (والقادر بسوي) عملوا على تطبيق سياسة ثبت أن فيها جموح في الخيال ادت لإحداث فوضي في التمويل والتسويق وجلب المدخلات الزراعية بواسطة شركة أخطبوطية تتداخل معها شركات خاصة وافراد بتسهيلات ودفع المزارعون المنتجون الثمن غالياً وأدت تلك السياسة التي لم تطبق بالتدريج لتحطيم الهندسة الزراعية وتحطيم سكك حديد مشروع الجزيرة وتحطيم المحالج واضحت كثير من السرايات والمكاتب كالأطلال مع بيع كثير من المنازل واهملت واضعفت البحوث الزراعية وهذا قليل من كثير وإن قانون عام 2005 الذي عدل في عام 2014 أحدث شداً وجذباً سياسياً بين معارضيه ومؤيديه ولكن الذي يهم المنتجين هو الوقوف على نتائجه العملية لإسقاط السلبيات وتغييرها والإبقاء على الإيجابيات. ورغم كل الذي جرى في المشروع وقد فعلوا فيه ما لم يفعله النجار في الخشب، فإن مقومات نجاحه وفلاحه لا زالت قائمة وظل المزارعون يعملون لأن هذه مهنتهم التي يعيشون منها مهما كانت المعوقات وقديماً قال الخليفة عبد الله عندما كان على رأس الدولة السودانية في القرن التاسع عشر، إن الجزيرة مثل المرأة التي تحمل رجلين ويقصد بذلك أن الجزيرة تكتفي بما تنتجه من ذرة وغلال وتكفي أيضاً حاجة الشرق والغرب إذا أصابهما (محل) وندرة في الذرة والغلال. وإذا كان هذا حال الجزيرة قبل قيام المشروع فمن الطبيعي والمنطقي أن يكون حالها أفضل بعد قيامه. وإذا فتحت صفحة جديدة فإن المشروع سيكون كطائر الفينيق الذي تقول الأسطورة الإغريقية القديمة إنه يحترق ويعود بعد ذلك أكثر قوة وفتوة مما كان من قبل احتراقه، وكذلك فإن مشروع الجزيرة وامتداد المناقل العملاق الجريح يملك كل المقومات ليصبح من أهم سلال غذاء السودان إذا توفرت الجدية وعلت الأفعال على الأقوال ونأمل أن يتبع ذلك إحداث ثورة إصلاحية في كافة المشاريع الزراعية المروية والمطرية مع إيلاء الزراعة بشقيها النباتي والحيواني أقصى درجات الاهتمام ويتكامل مع ذلك إحداث ثورة حقيقية في الصناعات التحويلية ... وسبق أن عقد مجلس الوزراء جلسة في الدمازين وجلسة في رئاسة مصنع سكر كنانة وجلسة في سد مروي ونأمل أن يشهد مجلس الوزراء الاتحادي الموقر عقد جلسة في بركات، حيث رئاسة المشروع ونأمل أن نرى جديداً تحت الشمس.