الإثنين، 19 شباط/فبراير 2018

board

أعرف حجمك ومقامك وفكر في يوم تقاعدك!!

بدر الدين عبد المعروف الماحي

رغم تحذيرات الاجهزة الامنية والشرطية ورغم تصريحات السيد رئيس الجمهورية للمهربين والقرارات الصادرة بشأن مصادرة المعروضات ايا كان حجمها ونوعها وقيمتها لصالح الدولة والجهة التى نفذت افشال عملية التهريب،

الا اننا نطالع اخباراً مستفزة فى تقديرى عن القاء القبض على مهربين عبر مطار الخرطوم الدولى حتى اول امس القريب!! واكثر ما ازعجنى ان هناك تلميحات من الجهات الرسمية الى ان هناك ايادى مازالت تعبث وتشارك فى فتح الثغرات ومعاونة هؤلاء المجرمين للتلاعب باقتصاد البلاد، وانا على قناعة تامة بأن معظم المهربين لديهم ايادٍ خفية تراقب من بعيد ولو لم تكن فى الواجهة لذلك الجرم الشنيع، ودفاتر الشرطة اثبتت بما لا يدع مجالاً للشك ان اكثر من 90% من المضبوطين لديهم معاونون وموظفون داخل المطار او لديهم صلاحيات لدخول حرم صالات المطار الداخلية، ويساعدون ولو بالنظر والهمز من بعيد، فكثير من الخدع او المعينات المستخدمة فى التهريب تمر اولاً على اجهزة التفتيش للعفش عند مدخل صالة المغادرة، وهى اجهزة حسب علمى لديها تقنيات عالية فى الضبط واكتشاف اى شيء غير طبيعى، مثلما حدث اول امس عندما وجدت سبائك دهب مخبأة داخل علبة (دكوة) اذا الامر يحتاج لتوعية داخلية واعادة تقييم وتقويم لبعض منسوبى الجهات الرقابية والتشديد عليها والتحذير والتخويف بتوقيع اقصى العقوبات، لأن كثيراً من المهربين لو لم يجدوا التطمين والتسهيل حتى ولو لفظاً لا يتجرأون على مثل العمل الخطير، ولا يجازفون بمبالغ كبيرة كالتى يتم بها الامر. وما جريمة الفادنية والعسيلات ببعيدة عن الذاكرة، فهى ناتجة عن خلل واضح رغم كل التبريرات ووصل فيها الأمر حد الاقتتال وازهاق الروح، والسبب ان العامل او الموظف المجنى عليهما قاما بالاشتراك فى تمرير ذهب بمبالغ مليارية واختفوا بعد ان اشرفوا على مروره من كل الاجهزة الرقابية والمعدات الارضية حتى التى توضع بعد وزن العفش، مما ادخل الشك والظن، وأدى للخلاف بين اطرف القضية، وحاولوا استرداد مالهم عنوة، ونفذوا جريمة بشعة لن تنسى فى تاريخ تلك القبائل المتربطة، والسبب الرئيسى كما ذكرت هو العنصر البشرى الشرير، وقد سمعت قصة طويلة من احد الذين عملوا فى تلك التجارة لم يرتكب جرم تهريب فحسب، بل كان يستغل وظيفته فى اشياء غير مشروعة لم يجن فى نهايتها الا الخسارة والندامة. وساحكى تفاصيل ما حكاه لى حتى يتيقن هؤلاء بأن لكل بداية نهاية، فلا بد من ايقاف اى عمل فيه ضرر او شبهات، وانت فى موقع المسؤولية مهما توهمت انك فى قمة المجد وانك محل اهتمام ونظر الكثيرين، فقد حكى لى قائلاً: (كنت أعمل موظفاً صغيراً تابعاً لشركة تعمل في مطار الخرطوم، وطبيعة عملي التعامل مع المسافرين وتذاكرهم ووجهتهم والوزن المسموح به. ومع أنني بسيط جداً فإن عملي هذا جعلني رجلاً مهماً، إلى درجة أن هاتفي لا يتوقف عن الرنين، وكل المتكلمين يريدون مني أن أهتم بهم أثناء سفرهم من اختيار كرسي الطائرة إلى التساهل في الوزن إلى مراعاة عائلتهم المسافرة، والغريب في الأمر أن هناك رجالاً تتهيّب منهم، لكنني أكتشف أنهم أقل من ذلك عندما يسلمونني أوراقاً فيها توصية من رجل له شأنه في الدولة لكي أتغاضى عن وزن زائد لصديقاتهم المسافرات اللائي يعملن «فنانات» او مذيعات!! وحين أسأل مسؤولى المباشر ومشرف الوردية فإن عينيه تجيبانني قبل لسانه بألا أتردد في الموافقة، لأنه مساءل بعد ذلك، وهاتفه لا يتوقف أيضاً، فهو يسمح لعشرات الشنط بالمرور لأن أصحابها معرفة. وفي مرات كثيرة كنا نقدم أفضل مقعد أمامي إلى فتاة ابتسامتها جميلة ومعها تذكرة مخفضة من رجل قبيح، أما الذين مرّرناهم وهم على قائمة الانتظار، وأرجعنا من معه حجز مؤكد فهم بالمئات... أما عن بعض رجال الجمارك والجوازات القريبين منا فمطالبهم لا تتوقف، ليس لهم فقط بل للمسافرات ذوات الوزن الزائد، فالتوصية عليهن لا تتوقف. وغالباً ما يكون هؤلاء المسؤولون على الدرجة الأولى وتذاكرهم طبعاً بالمجان، ونحن لا نستطيع أن نرفض لهم طلباً لأننا ببساطة نعمل على طريقة (شيلني وأشيلك) وعندما أسافر أنا وأهلي لا ندفع ضريبة المطار المقدرة وكانت وقتها حوالى (30) جنيهاً، وأعتقد أن معظم من في دائرة المطار لا يدفعها، لأنها ورقة صغيرة ومنفصلة باستطاعة رجال الجوازات ختمها أو عدم ذلك، وهكذا أصبحت أكثر وسامة وقوة مع أنني ضعيف الجسم وقصير القامة، فصرت أتلقى الهدايا أسبوعياً، إما من مسافرة ساعدتها على ركوب الطائرة بطريقة غير قانونية، أو من أصحاب الفنادق التي نأكل ونشرب فيها بالمجان، في سبيل تسهيل مهمات موظفيهم وأشغالهم الخاصة. وبعد سنين من هذا العمل فجأة أفقت من نومي ومسحت عيني... والفضل في هذا يعود إلى رجل مدمن على الشراب كان يعمل معنا منذ سنين كثيرة، أكبر مني سناً قابلته في أحد الفنادق وطلب مني (300) جنبه سلفة، فتعجبت لمنظره إذ إنني لم أشاهده لمدة عشر سنوات أو أكثر، وها هو الآن بلا أسنان أمامية، شاحب الوجه زائغ العينين، والأهم خالي الجيبين، فقال لي نصيحة: «لا تظن أن حالك سيستمر طويلاً هكذا، أو تعتقد أن من أمامك وحولك هم أصدقاء حقيقيون. انظر إلى حالي، فقد كنت امبراطور زماني. أصدقاء من كبار القوم، وصديقات يضيق بهن القصر الكبير في الحفلات الخاصة والعامة ورأس السنة وأعياد الميلاد يأتيني الغوزي والشراب والورود والبطاقات إلى مكاني بالمجان، وأقود سيارتي بلا وعي من الشراب ولا أهتم لرائحة فمي، لأن الأرقام التي في جيبي تستطيع أن تخرجني من جميع المشكلات. أما بعد خروجي من الوظيفة فقد هجرني الناس والعالم، وأصبحت أرقام التلفونات التي في جيبي لا ترد ولا تريد أن ترد، حتى أصبحت مدمناً على الشراب. فعليك ألا تنجرف مع التيار، واعرف حجمك ومقامك وفكّر في يوم تقاعدك!!