السبت، 26 أيار 2018

board

"ضكر" الحجر و"انتاية" البيضة

د. معتز صديق الحسن
 > لا يمر اليوم أو اليومان على أقصى تقدير إلا وتطالع في صفحات الصحف أخباراً مخالفة للفطرة السليمة تقشعر منها الأبدان تتمثل في حوادث جديدة

وجرائم شنيعة عن اغتصاب أطفال "ذكور" من قبل بعض شيوخ "الخلاوي" أو انعقاد محاكماتها أو تنفيذ عقوباتها الصادرة بحقهم فإذا كان الذي يصل منها إلى النشر العلني بهذا الحجم الكبير والمتواصل فهذا يعني أن المرتكب منها في الخفاء أكثر وأكبر.
 > لتنعدم فرص الثقة في الغير عند المجتمع عموماً وأكثر تحديداً عند الآباء والأمهات ولا غرابة إن تضاعفت جهود الاحتياط والتحوط والمتابعة والمراقبة لأن الطعنة القاتلة والمميتة عند ارتكاب هذه الفاحشة صارت تأتي من الخلف ومن الأكثر بعداً من دائرة الشبهات ولا تفكير البتة في الاشتباه فيه مطلقاً وطالما دخل لقائمة الجناة السوداء -وبصورة أساسية- من يعملون على تحفيظ القرآن الكريم في "الخلاوي".
 > أمثال هؤلاء الذين تخلع عليهم "جبة المشيخة" وتطلق عليهم صفة "الشيوخ" وهي منهم براء كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب فطالما لم تهذب نفوسهم وتسمو أرواحهم وتوجل قلوبهم وتلين جلودهم وتخشع جوارحهم فهم لم يحفظوا من كتاب الله إلا خطوط رسمه ومبانيه ولم يقفوا على علمه ولم يتوقفوا عند معانيه ولم يعتبروا من قصصه فليتهم وضعوا نصب أعينهم مقولة من كريم أخلاق مفادها: (لولا أن القرآن الكريم ذكر قصة قوم لوط ما كنت أعلم أن الرجل يمكن أن يستغني بالرجل).
 > مما يقودنا لطرح تساؤلات مهمة جداً وننتظر الإجابة عليها بكل صدق وفحواها لماذا يلاحظ في كل الخلاوي -عندنا- انتهاج تحفيظ القرآن الكريم فقط للطلاب ثم توزعهم بفخر في الخلاوي ودور العلم ليحفظوا غيرهم وكفى؟  لم لا تعمل بجانب هذا الفضل الكبير على تدريسهم التفسير لمعانيه؟ فيكون الخير خيرين فيتفقه الحافظ منهم في علومه وأحكامه ويعرف التفريق بين ناسخه ومنسوخه ومتشابهه وغيرها ليقف بالتزام كامل عند أوامره ونواهيه ليفوز ببشاراته وينجو من إنذاراته.
 > فهذا هو الطريق الصحيح والواجب اتباعه عند التعامل مع كتاب الله حفظاً كما في قول أحد التابعين أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا الذين يقرؤوننا القرآن أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ويعرفوا ما فيها من علم وعمل) وبداهة أنهم  ينتقلوا بعد ذلك ليحفظوا أخرى مثلها ويتعاملوا معها بذات الطريقة الصائبة سالفة الذكر).
 > لكن لا غرابة في تورط الذين -هم أس المشكلة في حديثنا هذا- في هذه القبائح المشينة لأنهم حفظوه اسماً ورسماً ولم يحفظوه علماً وفقهاً ومعنى فمثلهم كــ(مثل الذين حملوا التوراة ولم يحملوها) فكان الأثنان سواء (كمثل الحمار يحمل أسفاراً) ليكون جزاء الأولين من (اليهود) وجزاء أولئك الآخرين -مالم يبادروا بالتوبة والرجوع إلى الله- الاستحقاق الكامل لما في قوله تعالى (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين).
 > الفطرة السليمة تنهي عن اختلاء رجل بامرأة لذا جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ما خلا رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما) فالرجل مع الرجل ليس باختلاء وكذلك المرأة مع المرأة ليس باختلاء فهذا أمر طبيعي لكنه من واقع ممارسة هؤلاء صار غير طبيعي . 
> وتأتي أمثالنا الشعبية الحكيمة بألفاظها العامية البسيطة -لما كانت الفطرة سوية- على خطى السنة الشريفة فكانت أيضاً دعوتها بعدم ترك المرأة مع رجل محذرة بشدة: (أبعد البيضة من الحجر وأبعد "الانتاية" من "الضكر") فهل المثل بعد التغيرات الكثيرة بحاجة إلى الإضافات التي لم يكن في المجتمع بحاجة إليها أصلاً سابقاً لنضيف فيه بسبب أحوالنا المتردية (أبعد البيضة من البيضة بإبعاد الانتاية من الانتاية) وكذلك (أبعد الحجر من الحجر بإبعاد الضكر من الضكر).
 > خاصة وحال بعض أولئك كما في قوله تعالى (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) وذلك بترديهم في الدرك الأسفل لهذا الانحطاط بكل جراءة واستخفاف لأنهم يقولون ما لا يفعلون فيحفظون الآيات الناهية عن ذلك ويفعلونه أي يعلمون فلا ينتهون؛
سائلين الله أن يطهر سرنا وعلانيتنا وقلوبنا وقوالبنا وأبصارنا وبصائرنا. آمين يا رب.