الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

استراتيجية "الوقت" في مفاوضات سد النهضة

د. عصام بطران
يؤدي عامل الوقت دورا مهما لدى اطراف التفاوض حول تداعيات انشاء اثيوبيا لسد النهضة .. ولكل طرف اجندته الخاصة التى يبني عليها استراتيجيته في التفاوض

لتحقيق مكسب ميداني على ارض الأزمة .. ولكن اتفق الخبراء الاستراتيجيون على ان عامل "الوقت" كسبا او تأخيرا يعد امراً تمشي على حبله أطراف التفاوض الثلاثة " اثيوبيا .. "مصر" .. "السودان" .. فمثلا "اثيوبيا" تسابق الريح لحشد الموارد وتوفير كل معينات الدعم اللوجستي والسند السياسي والاقتصادي مع العزف على وتر توحيد رؤية الجبهة الداخلية لإتمام بناء السد في فترة زمنية وجيزة اي قبل الوقت المحدد لانجازه والبدء في تعبئة بحيرة السد بالمياه لانتاج الطاقة الكهربائية .. لذلك تستخدم  استراتيجية "كسب الوقت" لفرض سياسة الأمر الواقع التي توفر لها غاية أخذ زمام المبادأة وتحقق اهدافها من الحصول على أعلى النتائج في السقف التفاوضي .. الموقف المصري على النقيض من "اديس ابابا" في طاولة التفاوض فهي تستخدم استراتيجية "كبح الوقت" للوصول الى مرحلة الإقصاء وترى ان اطالة امد الأزمة قد يؤثر في تحقيق نتائج ايجابية بشأن الانفراد الثنائي مع "اثيوبيا" بمعزل عن "السودان" .. أما "الخرطوم" في محور "استراتيجية الوقت تتخذ مبدأ المناورة والتكتيك لتحقيق نتائج سريعة تصب في صالح خدمة عدد من الملفات السياسية والدولية والاقتصادية ..
ذكرت في مقال سابق  ان الرئيس المصري "السيسي" يتعامل مع قضية ملف التفاوض حول سد النهضة بنوع من المهادنة يحاول خلالها ابداء مواقف مرنة يفهم منها تغيير مساره الاستراتيجي حول انشاء السد, واكدت ان التقارب الذي بدأ منه مع السودان لم يكن إلا لمرور انتخابات رئاسية مصرية هادئة لا يعكر صفوها توتر في العلاقات الخارجية تنعكس على سير العملية الانتخابية .. خاصة وان التقارب مع "السودان" قبيل الانتخابات ظهر من خلال الاستقبال غير المسبوق في زيارة الرئيس "البشير" الى القاهرة مؤخرا .. ولا أبالغ ان قلت كان مردود الزيارة ايجابيا للرئيس "السيسي" حيث جسدت له دعاية انتخابية وسعت لديه في ملعب الكسب الانتخابي لاعتبارات تتعلق بحفاظه على تماسك الأمن القومي لـ"مصر" من خلال تحسين العلاقات مع دول الجوار وخاصة "السودان" ..
ملف سد النهضة يرقى الى مستوى القضية المركزية في الأمن القومي المصري فعصب الحياة عندهم هو مياه نهر النيل , وتخشى "مصر" من بناء السد وما يتبعه من خطوة تخزين للمياه مما يؤدي الى تدمير مساحات ولسعة من الاراضي الزراعية, فضلا عن عدم توفر مياه شرب كافية لسكانها الذين يتجاوز عددهم ١٠٠ مليون نسمة ويعانون بالفعل نقصا في الموارد المائية كانت تسده من فائض المياه المهدرة من حصة مياه النيل الخاصة السودان كدولة مجرى واثيوبيا كدولة منبع .. ويذكر ان نقاط الخلاف اساسا تقع في ابرز أمرين - الاول فيما يتعلق بملء بحيرة السد في المراحل الأولى لتشغليه - والامر الثاني في كيفية ادارة السد بين الدول الثلاث, بجانب ان السودان واثيوبيا لهما ملاحظات حول التقرير المبدئي الذي قدمته الشركات الفرنسية حول بعض الأمور الفنية للسد .. في رأيي ان "القاهرة" قد عزمت على الـ"سيناريو" الخاص بالملء التدريجي لبحيرة السد في ١٠ أعوام بدلا من ٣ سنوات مما يمكنها خلال هذه الفترة من الحصول على تعويضات عبر حصة اضافية من المياه تأمل في الحصول عليها وفق اتفاقية جديدة لقسمة مياه النيل بين دول الاقليم, وبالتأكيد هذا ما ترفضه دول المنبع والمجرى لانه سيكون خصما على حصة السودان, ونية "مصر" لدمجها مع حصة دولة جنوب السودان الدولة الوليدة التي تسعى ايضا الى نصيب منفصل من حصة مياه النيل ..
أصبح عامل الوقت يلعب دورا حاسما في عملية التفاوض حول سد النهضة بعد ان تحولت "مصر" لاستخدام استراتيجية "كبح الوقت" والتغاضي عن نقاط خلافية ظلت تتمسك بها لزمن طويل من بينها معارضة قيام انشاء السد وبذلك أصبحت "مصر" تتبنى نظرية "الواقعية" وهي من أشهر النظريات المفسرة للعلاقات الدولية، وهذا المفهوم ليس مفهوما ثابتا بل يتغير بتغير وتطور مفهوم ومكونات القوة ويرتبط ارتباطا وثيقا بالمحرك والدافع وراء السلوك السياسي لـ"القاهرة" بعد استبانتها أن مفهوم القوة لا يتناسب مع الوضع الراهن لان الواقع يؤكد تسارع الخطى لإكمال منشآت السد بسبب كسب "اثيوبيا" للعديد من الأطراف الدولية في مناصرة قيامه بل دعمه وتمويله .. وباتت مصر تعلم تماما ان القوة عبر الإكراه والإلزام او الإجبار لا تؤدي إلا الى تباعد في الآراء وان الإقناع والاستقطاب الذي يعرف بـ"القوة الناعمة" لا يتناسب مع استراتيجية "كسب الوقت" لأنها مهددة بعنصر الوقت نفسه لذلك لا تمضي مرونتها إلا بمزيد من الوقت .. المسار الاستراتيجي الذي التزمته "مصر" لكسب مزيد من الوقت هو التسويف والمراوغة في حلقات التفاوض الثلاثية للحصول على مكاسب من رئيس الوزراء الاثيوبي الجديد "القريب الى مصر" بعد ان تولى المنصب قبل أيام عديدة وكان يشغل منصب رئيس مكتب سكرتارية المنظمة الديمقراطية لشعوب "اورومو" - نائب رئيس اقليم "اوروميا" .. لذلك ستظل "مصر" ترجئ مسألة الوصول الى اتفاق وفق "سيناريو" الملء التدريجي لبحيرة السد أملا في إعادة قسمة مياه النيل لصالحها وما يمكن ان يلعبه رئيس الوزراء الاثيوبي الجديد نتيجة التقارب المصري في مسألة دعم "الارومو" في أوقات سابقة الى ان وصلت الأمور بين الدولتين حد اتهام رئيس الوزراء السابق "ديسالين" لمصر بدعم تأجيج الصراع في اقليم "الأروميا" .. وقد ظهر ذلك من خلال العبارات المقتضبة لوزير الخارجية عند انتهاء الاجتماع الثلاثي حول سد النهضة بين السودان واثيوبيا ومصر دون الوصول الى اتفاق مشترك, وحسب تصريحات "غندور" - "اجتمعنا منذ صباح اليوم وناقشنا العديد من القضايا وفي النهاية لم نستطع الوصول إلى توافق للخروج بقرار مشترك" .. تلك العبارات تؤكد مسعى الجانب المصري لـ"كبح الوقت" لإتاحة مزيد من القراءات الإستراتيجية لتوجهات رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد ..

الأعمدة

كمال عوض

الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

إسحق فضل الله

الخميس، 19 نيسان/أبريل 2018