الجمعة، 20 نيسان/أبريل 2018

board

أسباب الخلل الإداري في مشروع الجزيرة!!

صديق البادي
بدأ مشروع الجزيرة بمزرعة تجريبية أثبتت نجاحها الباهر، ومن ثم قام المشروع الذي ادارته بعد قيامه شركة زراعية بريطانية وفق اتفاقية ونسب متفق عليها انفضت وانتهت في عام 1950م.

وبدأ المشروع منذ إنشائه يتوسع تباعاً خاصة بعد اكتمال قيام خزان سنار في عام 1925م، وأقيم في أواخر خمسينيات القرن الماضي امتداد المناقل. ومر المشروع بعدة مراحل ومساحته الكلية الآن تربو على مليونين ومئتين فدان تروى رياً انسيابياً ليس له مثيل في السهولة والامتياز والتميز، ولكن العطش الذي يحدث احياناً مرده للإهمال وعدم النظافة، وأضيف اليه في السنوات الأخيرة سبب آخر وهو الحفر العشوائي في الترع بآليات كان يتم العمل فيها بلا خبرة ودراية. ومشروع الجزيرة وامتداد المناقل يعتبر أكبر مشروع زراعي في إفريقيا. وفي العهدين الاستعماري والوطني شهد المشروع نظاماً إدارياً ممتازاً فيه تسلسل هرمي منضبط من القمة للقاعدة. وفي عهده الإداري الذهبي كان على رأسه محافظ يليه مدير عام ومدير زراعي مع وجود إدارات عديدة متخصصة ومقرها في بركات، مع وجود نظام مالي ومحاسبي مثالي يقتدى به، وتوجد بحوث زراعية تضم خبراءً وعلماءً، مع وجود إدارة للدراسات الاقتصادية والاجتماعية ودار للوثائق ... الخ. وعلى رأس كل مكتب تفتيش كان يوجد باشمفتش ومعه اثنان من مفتشي الغيط أو أكثر حسب حجم المكتب، ولكل منهم عربة مورس ماينر يتجول بها في عمله الميداني الذي لا ينقطع وسط الحواشات، مع وجود باشكاتب ومحاسبين وأمين للمخزن (مخزنجي) وباشخفير، وعدد من الخفراء يؤدون أعمالاً مهمة ويقفون يومياً على منسوب المياه في الترع ويشرفون على فتحها وقفلها، وبكل مكتب عدد من
(الصمودة) من المزارعين، وفي كل قرية كان يوجد مجلس إنتاج مكون من عدد من المزارعين، مع وجود مجلس للإنتاج على مستوى المكتب. وتوجد عدة أقسام بالمشروع يضم كل واحد منها عدداً من مكاتب التفتيش، ويكون على رأسه مدير للقسم ورئاسة المشروع في بركات. وللمزارعين اتحاد يقوم في تسلسل هرمي من القاعدة للقمة، ولهم ممثلون في مجلس إدارة المشروع. ويوجد مكتب متابعة تابع لمشروع الجزيرة بالخرطوم، وكان يوجد مكتب للمشروع بميناء ببورتسودان لمتابعة الصادر والوارد والإشراف على التخزين، وكان للمشروع مكتب مبيعات ومشتروات بلندن. والعمل في المشروع كان يسير في انضباط ودقة كساعة (بق بن) وكل شيء يتم في زمان معلوم باليوم والشهر، ومواعيد محددة بالنسبة للصرفيات التي تشمل السلفيات الزراعية والعلاوات والأرباح. ويتم التحضير للزراعة في كل موسم قبل وقت كافٍ، وتقوم إدارة الهندسة الزراعية بعمليات الحرث والتحضير، وتتم زراعة كل محصول في الوقت المحدد له، مع مرور المفتشين لمراقبة كل المراحل من زراعة وحش وكديب وفتح وقفل للمياه وحصاد وجني للقطن، حتى مراحل القليع والنظافة، وينسحب هذا على كافة المحاصيل الأخرى، مع مراقبة ومتابعة ميدانية متصلة ووقوف على ما يدور في كل حواشة، وإذا فشل أي مزارع في حش حواشته يتم انذاره واحضار عدد من العمال لينظفوها، ويخصم هذا من السلفية أو العلاوة أو الأرباح التي تخصه، وإذا تكرر فشله وتعددت الإنذارات التي تقدم له، فإن الحواشة تنزع منه وتمنح لغيره ويحبذ أن يكون من أسرته. والمزارعون كانوا وما فتئوا يعملون بهمة عالية. وفي الماضي كانت أية قضية أو مشكلة عارضة يمكن أن يحلها الباشمفتش بكل يسر وسهولة في اجتماع قصير يعقده مع مجلس الإنتاج ويحضره الصمد، وتلك مرحلة انطوت بانطواء تلك الصفحات الزاهية في الزمان الفائت.
ولا ريب أن المشروع كان هو العمود الفقري لاقتصاد البلاد، وأهم مصدر للعملات الحرة في الخزانة العامة، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا جاحد أو إنسان بعيد عن الواقع يعيش في جزر (الواق واق) لا في السودان. وكان يتم اختيار محافظ المشروع بمواصفات عالية ومؤهلات رفيعة وخبرات تراكمية عديدة من أساطين الخدمة المدنية، واذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر أول محافظ سوداني هو السيد مكي عباس بكل ثقله ووزنه في الخدمة المدنية والعمل العام، والسيد مكاوي سليمان أكرت وكيل وزارة الداخلية وعميد الخدمة المدنية الذي عمل محافظاً للمشروع، وعندما اختاره مجلس ادارة شركة (سودان ماركنتايل) مديراً عاماً للشركة حل محله في موقع المحافظ السيد ميرغني الأمين الحاج وكيل وزارة الداخلية وعميد الخدمة المدنية. وكان لمحافظ مشروع الجزيرة مكانته وهيبته ووضعه البروتكولي المتقدم في مراسم الدولة، وكان الذي يليه في المشروع المدير العام الذي يليه المدير الزراعي، وكان الوصول لهذين الموقعين يتم بالتدرج والترقي الطبيعي من بداية السلم حتى نهايته، ومن يعتلي أياً من هذين الموقعين يكون صاحب خبرات تراكمية ضخمة ويشغل موقعه باقتدار. وبعد إلغاء الوظائف بمشروع الجزيرة أحيل للتقاعد زراعيون واداريون كثيرون من ذوي الهمة العالية والمؤهلات الرفيعة من حملة الماجستير وغيرها من الدرجات العلمية مع خبرات لا يستهان بها، وتم اختيار البعض لملء الفراغ وشغل هذه الوظائف العليا مع تغيير مسمياتها دون أن يصلوا لها بالتدرج الطبيعي، وتعاقب عليها العديدون وبعضهم اثبت نجاحاً نسيباً ولكنه دون المطلوب، وبعضهم قفزوا بالزانة وقدراتهم وتدرجهم الوظيفي لا يعدو أن يبلغ بهم منصب مدير قسم، ولكنه يجد نفسه في موقع أكبر من قدراته ومؤهلاته، ويكون كمن يلبس جلباباً فضفاضاً أكبر منه، والأدلة الدامغة تؤكد ارتكابهم اخطاء إدارية فادحة معلومة للكافة والخاصة علي نطاق واسع، والمتفق عليه أن أفضل وحدة إدارية بالمشروع هي الإدارة القانونية التي تعمل بالمشروع وتتبع للنائب العام.
لقد تم تدمير البنيات الأساسية بالمشروع من هندسة زراعية ومحالج وسكك حديد المشروع .... الخ، مع بيع السرايات والمنازل وإهمال بيوت الخفراء والعمال التي تحولت لأطلال .... الخ. ومع ذلك فإن المزارعين ظلوا يعملون بهمة عالية ويحققون انتاجية رفيعة، والفضل يرجع لهم بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، والمتابعة الميدانية من قبل المشروع أضحت في أضعف حالاتها، ويوجد مشرفون في الأقسام والمكاتب بتعاقدات، ويعمل بعضهم بإخلاص، ويرى بعضهم أنهم يعملون في ظروف سيئة، ولذلك فإنهم وجهوا جهدهم لزراعة أكبر مساحة ممكنة تخصهم لتحسين دخولهم بالإضافة لتربية بعضهم للمواشي... ولا يوجد رقيب او حسيب في بعض الأقسام، وحدثت فوضى وانفلات لا مثيل له ... واليد الواحدة لا تصفق وحدها، والمحافظ يؤدي عمله في مكتبه، ويقوم ببعض الزيارات الميدانية والذهاب للخرطوم لأداء بعض المهام في وزارة الزراعة الاتحادية أو في وزارة المالية أو في بنك السودان، ويجد بعد ذلك صفوفاً من المزارعين في مكتبه ببركات لحل مشكلات اشكلت عليهم ولم يجدوا من دونه من يحلها (ويا ما تحت السواهي دواهي)، وهذا يؤكد وجود خلل وضعف في التسلسل الهرمي للإدارة يحتاج لمعالجة، والمؤسف أن أكثر ما يهم بعض المسؤولين تبييض وجوههم أمام شاغلي الوظائف الدستورية العليا في الدولة، وتجميل صورهم أمامهم بما ينافي الواقع الحقيقي.