الثلاثاء، 22 أيار 2018

board

الخرطوم في مواجهة نظرية"غلاء الموسم"

د. عصام بطران
نظرية "غلاء الموسم" التي ظلت تتحكم في توجيه تصاعد الأسعار قبل  الأعياد والمناسبات الدينية والقومية والاجتماعية، ظلت هي النظرية الحاكمة للأسواق عند كل "موسم"

على الرغم من أن المواسم هي مصدر ترتفع فيه نسبة تسويق البضائع والسلع حسب طبيعة المناسبة الموسمية .ويعد "الموسم" إحدى الوسائل المستهدفة لتحقيق أرباح تؤمن للتاجر هامشاً من الأرباح يكفيه حتى قدوم الموسم التالي .. ولكن الموسم التجاري لشهر رمضان الكريم أصبح مصدراً تتبع ورصد من بعض المضاربين بقوت المواطن .. فقبل هلال الشهر الكريم وثبوت الرؤية يستحكم اولئك الجشعون حلقات ومنافذ انسياب السلع لإدخالها في دائرة الندرة أولا .. ثم فرض سعر جديد يتجاوز السعر الحقيقي الذي كان قبل دخول الموسم في متناول الجميع ..
وتنسحب الزيادة ايضا على دقيق "العصيدة" و"القراصة" المنتج تقليديا بواسطة "الطواحين" ولا تخلو القائمة من زيادات في أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء وبيض المائدة وغيرها من السلع الضرورية.. 
حكومة ولاية الخرطوم قررت مبكرا إجراء مواجهة مضادة لمصممي نظرية "غلاء الموسم" من السماسرة والوسطاء عبر استراتيجية طرحت خلالها خيارين لمواجهة هذه الزيادات الموسمية "المتوقعة" وغير المبررة قبل وقت كافٍ من إطلالة الشهر الكريم .. الخيار الأول: تبني استراتيجية مرحلية تعنى بالمنافسة الإيجابية عبر المواعين الاقتصادية .. أما الخيار الثاني: تنسيق وتشبيك شراكات مجتمعية ذكية مع الشركاء المهتمين بتقديم الدعم المادي والعيني خلال الشهر الكريم .. خيار تفعيل دور المواعين الاقتصادية المتمثلة في "محفظة قوت العاملين، سلة اتحاد العمال، مؤسسة العاملين التعاونية، شركة الخرطوم للأمن الغذائي، الاتحاد التعاوني ولاية الخرطوم، تمويل بنك النيل" كلها مواعين اقتصادية ساهمت في توفير السلع الرمضانية عبر ١٩٤ مركزاً للبيع المخفض بمحليات الولاية السبع تحت إشراف ورعاية وزارة المالية والاقتصاد وشؤون المستهلك ونتاج جهد هذه المؤسسات توفير ١٠ آلاف طن من سلعة السكر بأسعار "تركيز" يتم توزيعها في مراكز البيع المخفض, بواقع ١٠ كيلو للفرد مما أسهم في انخفاض أسعاره بعد ان وصل سعر الجوال ٥٠ كيلو ١٤٠٠ج حسب نظرية "غلاء الموسم" .. وعملت آلية المواعين الاقتصادية على توفير السلع "الجافة" المنتجة محليا "البلدية" مثل التبلدي، البلح، العرديب، القضيم، الفول المصري، الويكة، الكركدي، العدسية والحمص "الكبكبي" بتمويل من لجنة السلع الاستراتيجية .. ايضا دخلت آلية المواعين الاقتصادية عبر أسواق البيع المخفض لتركيز أسعار الفراخ والبيض واللحوم الحمراء ومنتجات الألبان، حيث تم تأمين ٢٠٠ طن من الفراخ و ٣٠ ألف طبق من البيض بعد ان تم عقد شراكة ذكية مع منتجي الدواجن بتوفير ٦ آلاف طن من الذرة المدعوم بواسطة وزارتي المالية والزراعة لتسليم المنتجات وبيعها بأسعار مخفضة عبر المراكز .. هذا بجانب تأمين الخضر والفاكهة والموالح عبر شراكة مع منتجي مشروع السليت والفكي هاشم وسوبا غرب والجموعية .. أما اللحوم الحمراء فقد تم التعاقد مع شركة الاتجاهات المتعددة عبر ١٦١ موقعاً من مراكز البيع المخفض الـ ١٩٤ ..
أما الخيار الاستراتيجي الثاني الخاص بتنسيق وتشبيك شراكات مجتمعية ذكية مع الشركاء المهتمين بتقديم الدعم المادي والعيني والاجتماعي خلال الشهر الكريم، فقد تمت شراكة مع اتحاد المرأة بالولاية على توفير المنتجات المنزلية مثل "الآبري والرقاق" وذلك بتمويل عدد ٢٩٤ منتجة لتسويقها عبر منافذ البيع المخفض .. هذا بجانب تأمين ٢٧٠ مركزاً للتوزيع المباشر للغاز وإدارتها بواسطة اتحاد الشباب الوطني بالولاية اضافة لتوزيع ٦٠ الف كرتونة رمضانية من ديوان الزكاة تستهدف ١٠٠ الف اسرة متعففة .. وعمل اتحاد عمال ولاية الخرطوم ضمن الجهود المشتركة مع الولاية بتوفير ٧٥ ألف كرتونة رمضانية توزع للعاملين بالأقساط الشهرية المريحة .. ولم يستبعد الخيار الاستراتيجي الثاني للولاية - منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية وإفطارات الشرطة "الريان" وغيرها من المبادرات في المساهمة عبر تنسيق وتشبيك الجهود لخدمة الهدف المشترك - تجاوز نظرية "غلاء الموسم" حيث تم رصد عدد مليون كرتونة وكيس الصائم بحجم تمويل بلغ ٩ مليارات جنيه لصالح تثبيت وكبح جماح تصاعد الأسعار خلال شهر رمضان الكريم ..
الخرطوم الولاية بهذا الحراك "الاستباقي" سجلت هدفاً من هجمة مباغتة ضد "الجشعين" من التجار الذين تأهبوا واستعدوا لإطلاق أسعار جديدة على السلع الاستراتيجية التي تتعلق بقوت المواطن خاصة وأن شهر رمضان الكريم على الأبواب "دون مبررات" تذكر غير "نظرية غلاء الموسم" .. حيث تعود غالب التجار على استقبال هذا الشهر الكريم بفرض هامش أرباح يتراوح بين الـ ٥٠% الى ٧٠% على كل صنف "رمضاني" خاصة سلع السكر والزيت والخضر والفاكهة واللحوم البيضاء والحمراء .. اذا أفلحت حكومة الولاية في مساعيها لتثبيت الأسعار عن الحد المعتاد قبل الشهر الفضيل, يعد ذلك نجاحاً قطعت به الطريق أمام المضاربين غير ان الهدف الأساس للخيارين الاستراتيجيين يهدف الى عرض السلع بأسعار تقل عن السوق بنسب تتراوح بين الـ ٢٠ % الى ٣٠% .. ولكن يبقى التحدي الأكبر الذي تواجهه حكومة الخرطوم المتمثل في الحفاظ على ديمومة مراكز البيع المخفض طيلة الشهر الكريم مع ضمان انسياب السلع اليها بسهولة ويسر إضافة الى طرح كميات وافرة من السلع لتجاوز الازدحام بجانب أحكام الرقابة على المراكز لمنع تسرب السلع المدعومة الى أيدي السماسرة والمضاربين "الجوكية" لإعادة بيعها بأسعار مضاعفة ويذهب ريعها الى جيوبهم بدلاً من المواطن المستهدف بهذه الإجراءات ..