الثلاثاء، 22 أيار 2018

board

تمثيلية خادعة

صديق البادي
مرت أحداث عديدة خلال عهد الإنقاذ ادعى البعض أنها مجرد مسرحيات وعلى رأسها في ظنهم مسرحية المفاصلة رغم أن الشواهد تؤكد أنها مفاصلة حقيقية من بين أسبابها خلافات في الرؤى حول بعض القضايا وصراعات حول السلطة والقيادة،

ولكن بعد أن حدثت المفاصلة وأضحت واقعاً لا يمكن إنكاره ربما يكون شيخ حسن رحمه الله قد فكر ودبر وأعد مسرحية كان فيها هو كاتب القصة ومعد السيناريو والمخرج والممثل والمشاهد الأوحد وفي الفصل الأخير لمسرحية الفرد الواحد أضحى عرّاباً للحوار الوطني وكان في طريقه لتجاوز المؤتمر الشعبي والتخلي عنه بعد أن استنفذ أغراضه بالنسبة له وتوسيع الماعون السياسي (المنظومة الخالفة) ويعود لحياض النظام الحاكم الذي كان عرّابه منذ أن كان نطفة في رحم الغيب ولسان حاله يردد ما أحلى الرجوع إليه دون انشغال بالسلطة مع الاكتفاء برعاية أبوية من على البعد، وتلك مسرحية حولها أخذ ورد وشك وظن ولكن المسرحية أو التمثيلية الخادعة الحقيقية هي الادعاء الكاذب المختلق بأن بين الأستاذ علي عثمان ودكتور نافع خلافات حادة وصراعات عميقة، مع الادعاء بأن لكل منهما تيار ومركز قوة وضغط وذهب البعض أكثر من ذلك وادعوا أن الصراع بينهما أدى لصراع داخل النظام بين الشايقية والجعليين، وأن الحل في تقديرهم يكمن في الاتفاق على صمام أمان يحفظ وحدة النظام والتنظيم.
وإن دكتور نافع كان هو رجل حزب المؤتمر الوطني القوي وعندما كان يتحدث في المنابر العامة ذات الخصوصية تحس بأنه أستاذ جامعي محترم مرتب الذهن طلق اللسان سلس الحديث، ولكن في أحاديين أخرى تسوقه ردود الأفعال للتحدث بلغة منحدرة لا تليق بمن هو في موقعه ... وكان له تأثير ونفوذ واسع داخل الحزب والدستور يكفل له ولغيره من المواطنين الترشح لموقع رئيس الجمهورية ولوائح تكفل له أن يترشح لموقع رئيس الحزب ومن ثم يصبح تلقائياً إذا فاز بالرئاسة مرشح الحزب لموقع رئيس الجمهورية وفي المؤتمر الذي (عقد في عام 2013م) وسبق انتخابات رئاسة الجمهورية التي أجريت في عام 2015م، أقدم دكتور نافع على الترشح لموقع رئيس الجمهورية ونافس منافسة قوية ليصبح رئيس الحزب ومرشحه لرئاسة الجمهورية وأخذ البعض يرددون أن الأستاذ علي عثمان قطع الطريق على غريمه رغم أنه في حقيقة الأمر حليفه القديم وليس غريمه كما يزعمون، ولا يريد أن يقطع الطريق عليه ولكنه أراد أن يقطع الطريق على فتنة أدرك بحسه الأمني والسياسي أن نيرانها ستندلع وأن ردود الفعل ستكون عنيفة فآثر أن تستمر الأمور كما هي وكان في تقديره أن العسكريين في السلطة هم جزء مهم من المعادلة في تلك المرحلة التي تقتضي أن تكون لهم الواجهة والمنصب الأول في الدولة (مع الحديث الأنيس مع الرئيس) وبعد فوز البشير برئاسة الحزب أصبح مرشحه للانتخابات الرئاسية ومضت الأمور لعدة شهور كما كانت عليه في الخمسة عشر عاماً الممتدة بين عامي 1998م-2013م التي كان فيها الأستاذ علي عثمان صاحب نفوذ واسع في الدولة وكان مسؤولاً عن الجهاز التنفيذي ويمسك بعدد من الملفات المهمة وكان دكتور نافع هو رجل الحزب القوي وله تأثير ونفوذ واسع داخله والرئيس البشير عرف بأنه إنسان يقظ ويلم بمعلومات غزيرة وهو يجيد التكتيك وفي الوقت الذي رآه مناسباً وبتمهيد وإخراج ذكي أصدر في شهر ديسمبر عام 2013م قرارات بإعفاء عدد من كبار القياديين بالدولة والحزب منهم الأستاذ علي عثمان النائب الأول لرئيس الجمهورية ودكتور نافع مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس حزب المؤتمر الوطني ودكتور عوض الجاز الذي أصبح في منزلة بين المنزلتين وآخرين بعد أن بذلوا قصارى جهدهم في القيام بمهامهم وفد استنفذوا أغراضهم بالنسبة للقيادة وتم الإعفاء بطريقة ناعمة وذكية، ولم تكن إقالة أو استقالة وكما يقول المثل الإنجليزي (لا تغير الخيول في منتصف النهر) ولكن البشير أحدث تغييراً بطريقة انسيابية هادئة .. وأعلن الأستاذ علي عثمان أنه سيركز على العمل الخيري الطوعي وبين الفينة والأخرى تظل تسريبات مجهولة المصدر مفادها أن سيادته سيتم اختياره رئيساًَ للمجلس الوطني مع تسريبات أخرى بأنه سيعين رئيساً للوزراء وأثبتت الأيام أن تلك تسريبات لا أساس لها من الصحة. ومن غير المستبعد أن تعهد إليه أي مهام رسمية أخرى.. وبعد إعفاء دكتور نافع من موقع نائب رئيس الحزب تعاقب على هذا الموقع ثلاثة بعده هم بروفيسور إبراهيم غندور والمهندس إبراهيم محمود ودكتور فيصل حسن إبراهيم ولم يعد لدكتور نافع تأثيره ونفوذه القديم داخل الحزب ووسط قواعده ولم تعد له رغبة في الترشح لموقع رئيس الحزب في المؤتمر العام الذي سيعقد في عام 2019م وبالتالي فإنه لا يطمح في الترشح لرئاسة الجمهورية ومن الأوفق في هذه المرحلة وما يليها أن يتفرغ للعمل في مجال تخصصه الأساسي وهو الزراعة. وإن هذا القطاع يعاني من ضعف بائن وانهارت مشاريع زراعية كبرى وعلى رأسها مشروع الجزيرة وامتداد المناقل ومن الأفضل أن يعود دكتور نافع لوزارة الزراعة ويتفرغ لها تماماً وأن يتحرك وسط المشاريع في القطاعين المروي و المطري بطائرة هليكوبتر ويمنح سلطات واسعة ومعينات كافية لإحداث ثورة زراعية كبرى.
وإن القريبين من الأستاذ علي عثمان ودكتور نافع يؤكدون أنهما لا زالا حليفين كما كانا في الماضي وتتطابق رؤاهما في كثير من القضايا مع تنسيق بينهما عند اتخاذ بعض القرارات الحاسمة، وما يحدث ظاهرياً من خلاف هو مجرد تبادل أدوار وصرف أنظار الآخرين عن هذا الحلف غير المعلن. وإن الانشغال بمثل هذه الخلافات المزعومة يعتبر من صغائر الأمور ولا يمكن اختزال قضايا الوطن والانصراف عنها لهذه المسائل الجانبية.