الثلاثاء، 22 أيار 2018

board

الطيب النص: ذكرى عطرة وارث يبقى

عبد الرحمن الزومة

الناس يموتون فى كل يوم وفى كل ساعة, فالموت كما يقولون (كاسا داير). و الموت لا يفرق بين الموتى, حيث يأخذ فى طريقه الحكام والملوك والسلاطين والعظماء والفقراء والصغير والكبير.

تلك سنة الله فى خلقه حيث يموت ذلك الذى انقضى أجله من بين هؤلاء. لكن عندما يموت (رجل صالح) فان الزمان (ينتبه) الى أن أمراً جلل قد حل بأهل الأرض. ونحسب أن ما حدث بالعيلفون صباح الأحد العشرين من شعبان للعام الهجرى 1439 الموافق للسادس من مايو هو أمر قريب من ذلك. فى ذلك الصباح انتقل الى الرفيق الأعلى رجل لا ككل الرجال ومحسن لا ككل المحسنين وقائد لا ككل القادة,,,ماذا أقول عنه أيضا غير أنه الطيب أحمد عثمان النص (رحمة الله عليه). اهتزت الأرض من اقصاها الى أدناها وبدأ الخبر ينتشر بسرعة بين الناس: مات الطيب النص, هل سمعت الخبر؟ الطيب النص مات. وشهدت المنطقة من الخرطوم حتى العيلفون حراكاً لا تشهده عادة الا فى (الملمات) وأى ملمة أكبر من فقد رجل فى قامة الطيب النص. هز موت الطيب أركان الدولة التى كان أحد بناتها والمدافعين عنها فخف الرئيس البشير ليصلى على الجنازة. حبسنى حابس من أن أشهد الدافنة. ذهبت مساء الجمعة أى فى اليوم السادس و ذلك فى صحبة أخى الباشمهندس الصافى جعفر (جزاه الله خيراً) وعدد من أفراد أسرته الكريمة. كنت أحسب وذلك حسب الظروف العادية أن يكون (الفراش) قد انتهى و رفعت خيامه, لكن الطيب النص ليس من ذلك النوع من الرجال الذين يمكن أن يطويهم النسيان. الطيب النص من نوع الموتى الذين (تتشبث) ذكراهم فى الأرض تأبى أن تفوت. وجدت دار الطيب النص,تلك الدار التى لم تنطفئء نار كرمها على مر الأيام والليالى, وجدتها وكأن صاحبها قد غادرها للتو. جلس هناك مداح ينشدون ويذكرون الحبيب المصطفى ويترحمون على (الحبيب) الطيب. فى ركن آخر جلس (حواريو) الخلاوى وهم ينزلون (الختمة) على روح الطيب النص. تساءلت كم من (ختمة) يا ترى قد أنزلت على الطيب, وكم من ختمة ستتم, ذلك أن فراش الطيب النص, صحيح انه رفع من الناحية الرسمية, غير أن (التشبث) و التعلق بذكرى الرجل قائم. فى الداخل كان هنالك نفر من ابناء العارف بالله الشيخ مصطفى الفادنى, جاءوا ليسو (معزين) بل هم (أهل فقد) كما خاطبهم الأخ الأستاذ بابكر شيخ ادريس مناع انابة عن أسرة الفقيد. كان الشيخ ابراهيم حفيد الشيخ مصطفى الفادنى يتحدث عن مناقب الطيب النص. كان الرجل كمن يقرأ من بين يديه كتاباً عنوانه الطيب النص. تحدث الرجل حديثا هيج الأشجان وحرك كوامن العواطف عن الطيب. تحدث عن تواضع الطيب فقال انه لا يستقبل ضيوفه ولا يودعهم الا وهو (حافى). تلك خصال قل أن تراها فى أهل هذا الزمان, لكن من قال ان الطيب النص من أهل هذا الزمان؟ قال الشيخ الفادنى انهم عندما كانوا يذهبون فى زيارات للمناطق المختلفة يتفقدون أحوال البلاد والعباد فى (شرق النيل) كان الطيب يحمل معه (دفتر شيكاته) يقضى حاجة هذا وذاك. ما من صاحب حاجة الا وقضى له الطيب حاجته وفرج عنه كربته. بكى الرجل وأبكى وسالت دموع الرجال وهى لعمرى (عصية) الا فى حالة البكاء على رجل مثل الطيب النص. علا النحيب والعويل واحتضن الرجال بعضهم بعضا وكأن جثمان الطيب (مسجى) أمامهم. الشيخ الصافى جعفر قدم مداخلة من (رقائقه) كان عنوانها (الاخاء فى الله) و محورها الطيب النص و أهل العيلفون وأهل شرق النيل. معرفتى بالأخ الطيب النص قديمة, شهدت عرسه فى العام 1966 وكذا هى معرفتى بأسرة (آل النص) وهى أسرة كريمة ولها باع طويل وقدم راسخة فى خدمة الاسلام. يقينى فان لكل شخصية (مفتاحها), فما هى (الشفرة) لشخصية الطيب النص؟ الطيب النص رجل أعمال لا يشق له غبار. هنالك الآلاف من رجال الأعمال. الرجل برلمانى يحظى بثقة أهله. هناك أيضا برلمانيون. فى اعتقادى ان مفتاح شخصية الطيب النص يتمثل فى كونه شهما كريما ومتواضعا وهو فوق ذلك من الذين سلطهم الله على قضاء حوائج الناس فليبشر فانه باذن الله من (الآمنين من هول القيامة). والآن ان هذه الذكرى يجب أن تظل حية و هذا الارث يجب أن يبقى ولكن كيف؟ هنالك (الطيب النص) واحد, لكن من الممكن حمل امانته. تحدثت الى الاخوة من (آل النص) حول هذا الأمر. كلهم مصممون على حمل الأمانة. تحدثت مع ابنه البكر (محى الدين) حول ذات الأمر. بدا قويا, متماسكا, جلداً كوالده, وان كان (مشفقا) من حمل الأمانة. لا ألومه فالطيب قد (أتعب) من يخلفونه. غير أن محى الدين لم يعطنى الا انطباعا واحداً أنه على قدر المسئولية. اللهم ان أخانا الطيب جاءك فقيرا من فقراء الدنيا فألبسه (تيجان) النعيم والملك عندك فى الآخرة. اللهم احشره فى زمرة من نزلت فيهم الآية: (واذا رأيت ثم رأيت نعيما و ملكاً كبيراً). مرغه يا الله فى النعيم و آته ملكا كبيراً. آمين... آمين... اللهم آمين.