السبت، 26 أيار 2018

board

الانكفاء الاستراتيجي لحكومات (المحاصصة)

د. عصام بطران
الهدف الاستراتيجي لاي اتفاق سياسي او تصالح وطني او ائتلاف حكومي متعدد الاطراف خاصة ذلك الذي ينشأ بعد خلاف حاد مع الحكومة .. هو الاشتراك عن تراض واتفاق في ادارة شأن الدولة والحكم بعدة اشكال اولها ..

المشاركة في حكومة برنامج تؤسس لوضع بنود الاتفاق على ارض الواقع .. وعرفت حكومات ما بعد الاتفاقيات السياسية في العديد من دول العالم التي كانت على نزاع داخلي لم يمكنها من استقرار الاوضاع السياسية نتيجة لعدم التوافق والاختلاف في الايديولوجيات او تباعد في الافكار والاهداف والسياسات .. عرفت بمصطلح (حكومة الحصص) التي تتيح للقوى المتصالحة المشاركة في السلطة بنسب محددة من حيث الكم.
السودان كغيره من دول الاقليم سادته التوترات السياسية الداخلية، فمنذ الاستقلال لم يهدأ له حال ولا استقرار .. وتخللت الصراع على السلطة فيه قطيعة بين القوى السياسية من حين الى آخر وصلت الى تكوين اجسام للمعارضة المدنية والمسلحة بدعم من الخارج، وكانت منصة انطلاقها دول الجوار والدول الغربية واسرائيل، وما ان تندمل جراح حتى تلتهب اخرى، وهكذا تبع كل صراع اتفاق تصالح وطني بموجبه يتم تشكيل حكومة (محاصصة) تنفذ مضامين ومدلولات الهدف الاستراتيجي للمصالحة.
في عام ١٩٥٨م استلم الجيش مقاليد الحكم بعد ان فشلت الاحزاب السياسية في ادارة الدولة الوليدة وحملها طائعة مختارة الى القوات المسلحة لتبدأ (دراماتيكية) المعارضة من اجل استعادة السلطة، ثم جاءت ثورة اكتوبر لتشكل اول حكومة انتقالية مما سميت جبهة الهيئات اي حكومة (التكنوقراط) وهكذا دخل مصطلح (الحصص) في التشكيل الوزاري خاصة بعد مؤتمر (المائدة المستديرة) الذي وسع مشاركة الجنوبيين في التشكيل الوزاري وايضاً عن طريق (المحاصصة)، ثم جاءت الانتخابات وبرزت الصراعات السياسية مرة اخرى، وسرعان ما آلت السلطة للمؤسسة العسكرية ودخلت الاحزاب في معترك المعارضة السياسية التي انتهجت ولاول مرة منهج القوة واستخدام السلاح في مواجهة الحكومة، وقد عرفت في ذلك الوقت احداث بعينها حولت مسار المعارضة المدنية الى استخدام (القوة المسلحة) التي انطلقت من دول الجوار، ثم جاءت (المصالحة الوطنية) وتم التشكيل الوزاري في اعقابها بنظام (الحصة) والمشاركات النسبية لقيادات الاحزاب في حكومة (مايو)، حيث اشتهرت تشكيلاتها الوزارية من عناصر (التكنوقراط) من (فحول) الخدمة المدنية و (عتاة) الاكاديميين، ثم اعقبت (مايو) الحكومة الانتقالية بعد ثورة (ابريل) وحكمت البلاد عن طريق النظام السياسي المختلط (عسكري ــ مدني) وكان المدنيون فيه ايضاً من (التكنوقراط) والقوى النقابية .. ثم دون انجاز سياسي يذكر مرت مرور الكرام الحكومة المدنية الاخيرة .. وجاءت ثورة الانقاذ الوطني، لتبدأ القوى المدنية صراعاً حاداً على السلطة (مدنياً وعسكرياً) وقد حملها الى ذلك ادراكها الهوية (الايديولوجية) للانقاذ.
شهدت الفترة من يونيو ١٩٨٩م وحتى حكومة (بكري) الاخيرة كثيراً من التشكيلات الوزارية سواء على مستوى تغيير الطاقم الحكومي كاملاً او على مستوى التعديلات الوزارية، وقد جرت خلال تلك الفترة الكثير من الاتفاقيات والتصالحات الوطنية بين الحكومة والمعارضة (المدنية والمسلحة)، وكانت التشكيلات الوزارية ايضاً عن طريق (المحاصصة)، وحملت كثير من الحقب الوزارية اسماء مختلفة عبرت عن مدلولات ومضامين الاتفاق والتصالح كحكومة (التوالي السياسي)، (الوفاق الوطني)، حكومات (قسمة السلطة) مع الحركة الشعبية قبل الانفصال .. وقد اشركت الانقاذ معها خلال الفترة الماضية كل مكونات المجتمع السياسي في السودان، واسرفت ايما اسراف في منح المناصب عبر نظام (الحصص)، ولا توجد قوى سياسية مدنية او مسلحة بالسودان ولم تشارك في (الحصص) الوزارية مع حكومة الانقاذ الوطني عن طريق الاتفاق السياسي (الجماعي) او (الفردي) .. (الظاهر) او (الباطن) .. وفي كثير من المرات لم تتجاوز حصة الحكومة ٥٢% مقابل (الحصص) الوزارية لشركائها من احزاب وقوى سياسية وحركات مسلحة..
وجاءت مرحلة ما بعد الحوار الوطني لتؤكد صدق الالتزام السياسي الذي تعهد به رئيس الجمهورية، وظهر ذلك خلال ملامح الحكومة (القومية) التى اعلنها رئيس مجلس الوزراء القومي الفريق اول ركن/ بكري حسن صالح التي تنازل فيها حزبه المؤتمر الوطني عن وزارات ذات اهمية ترجلت منها شخصيات ذات ثقل سياسي، بينما منح (حصص) اضافية للمكونات السياسية التي شاركت في عملية الحوار الوطني وتابعت تنفيذ مخرجاته .. وحكومات التصالح الوطني عادة ما تحمل مسميات تعبر عن اهدافها، ولكن حكومة ما بعد الحوار الوطني اتخذت عدداً كبيراً من المسميات منها: حكومة (بكري) و (الوفاق الوطني) و (القومية) و (الاجماع الوطني) و (الانتقالية) واخيرا حكومة (الكفاءات)، ولكنها تحمل وجهة سياسية ومدلولاً استراتيجياً واحداً هو الاستعداد لمرحلة ما بعد رفع العقوبات الامريكية على السودان .. وعلى الرغم من توسيع قاعدة المشاركة السياسية السلمية لحكومات (المحاصصة)، ولكنها تمثل تراجعاً يصنف في خانة (الانكفاء) الاستراتيجي نسبة لقلة الفاعلية والقدرة والكفاءة والخبرة لممثلي الشركاء في مقاعد (الحصص) الوزارية، حتى اصبحت تلك المقاعد (شاغرة) لأنها تملأ على مبدأ (الكم) وليس (الكيف) .. وهذا ما اكدته التجربة خلال الفترة السابقة، اذ ظل المؤتمر الوطني يجري تعديلات مستمرة في مقاعد (حصته) كلما انتابه الشعور بضعف في الاداء، الا ان اصحاب (الحصص) من الشركاء لا مساس لهم ولا تغير او تبديل.