السبت، 26 أيار 2018

board

انتصارات الشرطة: رسائل فى كل الاتجاهات

عبد الرحمن الزومة

كان ذلك قبل حوالى عشرين عاماً.. ذهبت صباحاً لزيارة الأخ (العميد حينها) عمر جعفر محمد عثمان (*) الذى كان مديراً لشرطة (محلية الخرطوم). وجدته يقف وسط ثلة من جنوده،

ومن الواضح أنهم كانوا خارجين فى مهمة. وطلب منى أن أذهب معهم. وفى مكان ما فى ما تسمى اليوم (المعمورة) كانت هنالك جمهرة أمام منزل تحت التشييد. وكان الطابق الأرضى شبه مكتمل. ودخل الأخ عمر الى صالة المنزل وكنت وراءه. تقدم حيث وقف قبالة رجل جالس على (كرسى جلوس). كنت أنا خلف الرجل. وعجبت له وهو جالس بينما قائد شرطى يقف أمامه. بخطى غير مطمئنة تقدمت الى جوار الأخ عمر. نظرت الى الرجل. كان مذبوحاً من الوريد الى الوريد. جوز (سفنجات) كان امامه. كانت هنالك قطع من (البطاطس) مبعثرة بينما سكين كانت ملقاة بجوار الرجل. جلباب الرجل كان ملطخاً بدم جاف. جلس الرجل وكأنه فى اغفاءة. ومن الواضح انه كان يقشر البطاطس عندما قتل. وكان الضحية عالماً زراعياً سودانياً مشهوراً، وكان يعيش فى أمريكا وجاء الى السودان فى اجازته السنوية وترك عائلته هنالك فى أمريكا. الأخ عمر سأل الناس عن الشخص الذى بلغ عن الحادث. أحد الخفراء أجاب بكل ثقة: أنا يا جنابو. قال ان ابنه قال له فى الصباح الباكر ان النور فى بيت الدكتور مضاء! عندما جاء ليستطلع الأمر وجد الدكتور على تلك الحالة. العميد عمر سأل الرجل: ولدك ده اسمه منو. قال ان اسمه (عمر) قال له: وينو؟ قال له واقف بره مع الناس. قال له ناديه. جاء عمر. بدا مضطرباً! سأله العميد عمر عن عمله قال انه يعمل فى أعمال حرة. بعد ثلاثة أو أربعة أسئلة (محترفة) مال على الأخ عمر وقال لى (هامساً): ده زولى! فى تلك اللحظة انا كنت (بنصف عقل). كانت تلك المرة الأولى التى أرى فيها أمراً كهذا. لذلك لم انتبه لتلك العبارة. بعد دقائق وبعد القيام ببعض الاجراءات القانونية طلب العميد عمر من رجاله القاء القبض على (عمر). ظللت أتابع مصير ذلك المتهم. سجل اعترافاً قضائيا بقتل الدكتور وحوكم وأعدم. كانت تلك اسرع جريمة قتل يتم فك طلاسمها. قرأت فى الصحف نبأ القاء القبض على (قاتلة) الدبلوماسى النيجيرى. قالت الصحف ان شرطة (محلية الخرطوم) استطاعت فك طلاسم تلك الجريمة بعد (50) ساعة من حدوثها. ومنذ جريمة المعمورة وجريمة مقتل الدبلوماسى النيجيرى حدثت عدة جرائم كلها تقريباً استطاعت شرطة السودان فك طلاسمها، مما يؤكد أنه لا يوجد لدى شرطتنا الباسلة شيء اسمه (بلاغ ضد مجهول). لكن الشيء الذى جعلنى أربط بين القضيتين أمران الأول هو مسمى شرطة (محلية الخرطوم) والأمر الثانى هو العلاقة (الأسرية) التى تربط الأخوين السيد العميد عمر جعفر مدير شرطة محلية الخرطوم حينها والسيد العميد على محمد عثمان مدير شرطة محلية الخرطوم الآن، فالثانى هو (عم الأول). لا أريد بطبيعة الحال (شخصنة) القضية لكن كما يقولون الشيء بالشيء يذكر. وعندما اتصلت بسعادة الأخ على محمد عثمان لكى اهنئه على ذلك الانتصار الباهر، فإن الرجل أرجع الفضل أولاً لله سبحانه وتعالى ثم الى (التنسيق) المحكم والاحترافى الذى تم بين عدة أفرع شرطية وأمنية وقاد الى القاء القبض على القاتلة, وذكر تحديداً عملية (الاسناد) التى قدمها جهاز الأمن والمخابرات الوطنى وكافة الأفرع الأمنية التى قامت بعمل جماعى وعلى درجة عالية من التنسيق والاحترافية، مع الاستخدام الذكى للوسائل الحديثة فى علم الجنايات والتحقيق الجنائى حتى تحقق الانتصار.
ان هذا الانتصار الذى حققته شرطة السودان يرسل عدة رسائل فى عدة اتجاهات. الرسالة الأولى لأى مجرم أنه واقع فى قبضة الشرطة مهما استخدم من وسائل التمويه، فلدى شرطة السودان لا يوجد شيء اسمه (الجريمة الكاملة). والرسالة الثانية موجهة لشعب السودان كى (ينام مطمئناً) ويترك أمر بسط الأمن لشرطته فـ (البلد محروسة). والرسالة الثالثة للجميع مجرمين وغير مجرمين مفادها أن الجريمة (لا تفيد). كما ان هنالك العديد من الدروس والعبر. انظروا الى مصير هذا النيجيري (التعيس) وهذه القتلة الشنيعة التى تلقاها, حيث لقي ربه على أسوأ حال، اذ كان آخر أعماله فى الدنيا هى (كبيرة) الزنا والعياذ بالله, هذا اذا لم يكن قد اضاف اليها معاقرة الخمر, وأغلب الظن انه فعل ذلك، وتلك الفتاة البائسة فهى على مدى (ساعتين) فقط من حياتها ارتكبت (اثنتين) من الكبائر: الزنا والقتل, هذا اذا لم تكن قد أضافت اليهما معاقرة الخمر، وأغلب الظن انها فعلت ذلك (وبئس المصير). والتحية لشرطة السودان المنتشرة فى ربوع البلاد وهى تظل ساهرة ويقظة فى دورها التى لا تعرف الأبواب المغلقة.
(*) حاشية: السيد العميد عمر جعفر (أمد الله فى أيامه) تدرج فى سلك الشرطة حتى بلغ رتبة الفريق، وتقلد منصب نائب عام الشرطة.