الأحد، 26 مارس 2017

board

موسفيني... تحركات تسارع الزمان، لصالح السلام في السودان.. اسماعيل جبريل تيسو

تبادل الضحكات والقفشات بين الرئيسين عمر البشير ويوري موسفيني في لقائهما الأخير على هامش القمة الأفريقية الثامنة والعشرين، مؤشر لدليل عافية ضربت جسد العلاقة بين الرجلين، وأسست لبناء ثقة وتجاوز حافة مرارات الماضي، وانتقال لمرحلة جديدة، يدخل خلالها الرئيس اليوغندي يوري لاعبا أساسيا ومؤثرا في ميدان العملية التفاوضية في السودان،

ارتكازا على تحركات سابقة ابتدرها الرئيس موسفيني لصالح معالجة الأزمة في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق إضافة إلى دارفور.
موسفيني بدا جادا في تحركاته من خلال حشده في العاصمة كمبالا، أطراف النزاع في السودان ليجلسوا أكثر من مرة بشأن التفاكر حول السبل الكفيلة للتوصل إلى تسوية سلمية تنهي معاناة المواطنين في المنطقتين ودارفور .
إلى حد بعيد نجح الرئيس اليوغندي في استثمار علاقته القديمة بالحركات المسلحة والمعارضة السودانية لصالح مبادرته النبيلة تجاه السودان، وفي المقابل ارتكز موسفيني على حدود انفتاح جديد في علاقته بالحكومة السودانية بعد قطيعة استمرت طويلا . مهما كانت مخرجات التحرك اليوغندي، فإن البادرة تعكس جدية موسفيني ورغبته في كتابة سطور جديدة في سفر علاقة كمبالا بالخرطوم .
التقارب اليوغندي السوداني حركت خطواته السيدة " نجوى قدح الدم " التي تربطها علاقة متينة بالرئيس يوري موسفيني والذي درج على مناداتها " ابنتي " وظل يذكرها بامتنان وتقدير في مختلف المحافل،  ممتدحا مواقفها الداعمة للحكومة اليوغندية إبان عملها في الأمم المتحدة، ويبدو أن تطاول أمد القطيعة بين الخرطوم وكمبالا، كان يعكر مزاج الانتماء داخل السيدة قدح الدم، التي تحركت بخطى متسارعة بين كمبالا والخرطوم بنية إحداث تقارب بين الجانبين، حتى سنحت لها فرصة وجود الرئيسين البشير وموسفيني في القمة الأفريقية الثانية والعشرين بالعاصمة الأثيوبية أديس إبابا مطلع العام2013 ، فنجحت في جمع الرئيسين في أول لقاء مباشر، اللقاء بدأ عاصفا، عندما أخرج الرئيسان الهواء الساخن وتبادلا الاتهامات ولكنهما في نهاية اللقاء تصافحا والتقطا صورا تذكارية كانت مؤشرا لانتهاء الأزمة وبداية مشوار جديد تمشيه علاقة الخرطوم بكمبالا .
الدبلوماسية الرسمية، التقطت القفاز وشرعت في استكمال خارطة التطبيع بين الخرطوم وكمبالا، وقد تمظهر ذلك جليا من خلال جهود السفير عبد الباقي حمدان كبير وأركان حربه في سفارة السودان بيوغندا، حيث نجح " كبير " في تحقيق اختراق كبير، تمخض عن تبادل زيارات كبار المسؤولين في البلدين بداية بمشاركة رئيس الوزراء اليوغندي في مراسم التوقيع على اتفاقية سد النهضة بالخرطوم، ثم تبعه نائب الرئيس موسيفني في مراسم تنصيب رئيس الجمهورية، ثم جاء الدور على نائب رئيس الجمهورية حسبو عبد الرحمن، الذي يعتبر أول مسؤول سوداني رفيع يزور كمبالا بعد القطيعة، ثم أعقبه وزير الخارجية إبراهيم غندور، فكانت تلك الزيارات بمثابة تحول في مسار علاقة البلدين، توجها الرئيس يوري موسفيني بزيارة تاريخية للسودان في سبتمبر من العام 2015 ، والتي ردها الرئيس عمر البشير في مايو من العام 2016 لحضور مراسم تنصيب الرئيس موسفيني، ولعل الذاكرة تستحضر كلمة الرئيس اليوغندي التي نعى فيها المحكمة الجنائية الدولية في حضور الرئيس عمر البشير مما أثار حفيظة دبلوماسيين غربيين بما فيهم مندوب الولايات المتحدة الأمريكية، فكان الموقف بمثابة تحول كبير في مسار العلاقات السودانية اليوغندية عززه الرئيس يوري موسفيني بإعلانه دعم مسيرة الحوار الوطني في السودان، ومشاركته في أعمال الجلسة الختامية للمؤتمر العام للحوار الوطني في العاشر من أكتوبر الماضي، منهيا بزيارته الخرطوم مرتين في عام، قطيعة استمرت عدة أعوام.
الحيثيات والقرائن تؤكد جدية يوغندا في الاضطلاع بدور متعاظم يدعم جهود الحكومة السودانية في تحقيق السلام والاستقرار، باعتبار أن استقرار السودان يعني استقرار المنطقة ويبعد في الوقت نفسه شبح تهديد السلم والأمن في الإقليم سواء على يد الحركات المسلحة أو الجماعات الإرهابية التي بدأت تنشط في المنطقة مستغلة انشغال دول المحيط الأفريقي بقضايا الداخل سواء في ليبيا أو أفريقيا الوسطى أو جنوب السودان . ويقيني أن الرئيس يوري موسفيني سينجح في مسعاه منطلقا في ذلك من عدة منصات، تتعلق الأولى بشخصية الرجل الذي يمتلك " كارزيما " تحدثه بضرورة إنجاز مشروع السلام في السودان لأهمية السودان في المنطقة، وأهمية موسفيني في أفريقيا باعتباره واحدا من أقدم الحكام والحكماء في القارة السمراء، وأما المنصة الثانية التي ينطلق منها الرئيس موسفيني، فتتصل بالمتغيرات الدولية وإسقاطاتها على المنطقة الأفريقية خاصة الجهود المبذولة للحد من ظاهرة التفلتات الأمنية والسيطرة على الجماعات الأرهابية، ولن يتم ذلك إلا في ظل استقرار تنعم به المنطقة عامة والسودان على وجه خاص، وتتعلق المنصة الثالثة برغبة المجتمع الدولي في تحقيق السلام في السودان لقناعته بقدرة الخرطوم على معالجة الكثير من المشكلات والقضايا التي ما انفكت تؤرق مضجع المجتمع الدولي كالنزاع في دولة جنوب السودان ومحاصرة ظاهرة الهجرات غير الشرعية وما يحفها من خطر عصابات الاتجار بالبشر التي بدأت تتخذ من السودان دولة معبر، مما أقلق المجتمع الدولي، فتحرك تجاه السودان برؤية مختلفة لتصحيح الكثير من مفاهيم مغلوطة ونظرات سالبة، كانت في السابق سببا لإدانة الخرطوم ومحاصرتها، فباتت اليوم مؤشرا لدعم مواقف الحكومة السودانية وما رفع العقوبات الأمريكية إلا خطوة أولى، في مشوار  إعادة " الأشياء " سيرتها الأولى .