الجمعة، 26 أيار 2017

board

عامٌ دراسي يفرد أشرعته ويرحل.. منال عبد الله عبد المحمود

عام دراسي انقضى حاملاً معه الكثير من النجاحات والاخفاقات على كثير من المستويات التعليمية والتربوية. انقضى العام ولم يزل بعضاً من التلاميذ وذويهم في حالة انتقالية من وضع كانت الأسر فيه تحشد كل طاقاتها وجهودها من أجل توفير متطلبات التعليم لأبنائها،

الى وضع فيه الكثير من الاستكانة والهدوء بعد هذه المجابدات والمجاهدات لتوفير المتطلبات وسط أوضاع اقتصادية واجتماعية ضاغطة تزداد حدتها يوماً وراء الآخر. ففي ظل الزيادات في أسعار وقيمة الكثير من السلع والمواد والخدمات التي أطلت برأسها منتصف العام الدراسي الماضي، كان لابد للمؤسسات التعليمية وبخاصة الخاصة منها أن تعاني من آثار هذه الزيادات على كثير من الأصعدة بدءاً بضرورة زيادة مرتبات ومخصصات الأساتذة والعاملين بها وليس انتهاءً بقيمة رسوم الترحيل التي زادت بصورة كبيرة. مع ما صاحب ذلك من تعقيدات تتعلق بالعقود الملزمة التي أبرمتها المدارس مع أولياء الأمور والتي حددت وبدقة قيمة رسوم السنة الدراسية لكل تلميذ. وهو ما استدعى ضرورة أن تراعي الجهات التنفيذية في الدولة مواقيت الزيادات التي ربما تفرضها بعض الظروف، ولسنا هنا بصدد مراجعة هذا الأمر والخوض فيه نقداً أو استحساناً، ولكن الضرورة تقتضي ألا تكون الزيادات في أسعار السلع والخدمات كيفما اتفق، وفي أي وقت بلا مراعاة للكثير من الأمور المرتبطة بها وأهمها تعاقدات الكثير من الجهات وارتباطاتها المالية. وهو أمر يكاد يكون من الأسباب الرئيسة التي تعمل على إرعاب رأس المال الوطني والأجنبي على حد سواء، وتدفعه لعدم الدخول في استثمارات أياً كانت بالسودان. إذ لابد أن تستقر الأسعار على الأقل لسنة وإن طرأ أي تعديل يكون مع بداية السنة المالية وليس خلالها.
نعود فنقول إن العام الدراسي برغم أنه كان مستقراً الى حد كبير، إلا أن التحصيل الأكاديمي لم يكن بالمستوى المطلوب، ولسنا نقول ذلك كنتاج لإحصائية دقيقة ولكن بقراءة سريعة لأداء عدد من المدارس بولاية الخرطوم، حكومية وخاصة.  ذلك برغم مستوى الاستقرار الذي تميز به العام إذ لم يشهد الكثير من التوترات التي كانت في السابق تؤدي الى تزايد العطل أثناء العام بما يؤثر على العملية التعليمية.
وشهد العام مأساة الأستاذة والمربية الفاضلة رقية، والتي قضت وهي تؤدي رسالتها في إعداد جيل الغد وسط تلميذاتها. والمأساة في حد ذاتها مريرة ومما يزيدها إيلاماً أن شبهة الإهمال قائمة ليس من إدارة المدرسة فحسب، بل من أعلى المستويات والتي تبدأ من الوزراة والوزير وحتى أصغر إدارة وأدنى مسؤول تعليمي في المحلية.  ولن يجدي تبرؤ أي أحد من هذه المسؤولية حتى وإن قال القضاء بغير ذلك، فللضمير رأي وللعدل رأي وللقانون ربما آراء أخرى، ولا يهم سوى ما يقضي به الضمير فهو الرقيب الأول، ولكن القانون هو من يأخذ بحق الضعيف من القوي. إن قضية تأهيل البنية التحتية للمؤسسات التعليمية تمثل هاجساً كبيراً يقض مضجع أولياء الأمور وبخاصة في المدارس الحكومية. كما وأنه يؤرق كل مهموم بالعملية التعليمية في البلاد. فما لم نصلح من هذه البيئة فلن يكون هناك أي تحصيل أكاديمي أو تربوي بالمستوى المطلوب مهما فعلنا. فالبيئة الطاردة ستعمل على تدني الخدمات التعليمية وتقليل التحصيل وبأكثر من ذلك ستؤدي الى انهيار مؤسسات التعليم إن عاجلاً أو آجلاً. لابد إن والحال كذلك أن نستدرك الوضع وأن تعمل الدولة على رفع ميزانية التعليم لتتواءم مع مطلوبات العملية التعليمية. فالتعليم لم يعد ترفاً بل أضحى هو الجسر الذي تعبر عليه الأمم الى مراقي التقدم والرفاهية، وبدونه لن تقوم لها قائمة أبداً.
ويأتي المعلم كأهم عامل في العملية التعليمية فما لم يتم الاهتمام بحقوقه ومكتسباته فلن يكون هناك من تقدم في الأمر. وبين أيدينا تمثل الكثير من المعاناة التي يعانيها المعلمون والتي تأتي خصماً على معايشهم وحقوق أبنائهم وفي مقدمتها مستحقاتهم المالية ورواتبهم الضئيلة مقارنة بقيمة ما يبذلونه من جهد ووقت في سبيل إعداد أجيال المستقبل. ومقارنة بغيرهم ممن هم يعطون أقل بكثير من عطائهم ولكنهم يأخذون الكثير بلا استحقاق لشيء فعلوه سوى البقاء في كراسيهم الوثيرة بعيداً عن اللهاث في كل الظروف وتحت أسوأ الأوضاع.  وكذلك قيمة ما يقدمونه من عطاء للوطن لا يكاد يقدر بثمن.
إن الاهتمام بالمعلم وتحسين بيئة عمله وإعطائه ما يستحق من الحقوق المالية والتي تبقى ضئيلة جداً مهما عظمت مقارنة بما يبذله في سبيل الوطن وما يقدمه من أجل إعداد الأجيال القادمة لتكون شيئاً ذا قيمة وسط عالم لم يعد للجهل فيه من مكان. نقول إن الاهتمام بالمعلم يجب أن يكون هو أولى أولوياتنا إن أردنا أن تقوم لهذا الوطن قائمة.
مر العام الدراسي، وانطوت صفحة كانت مليئة بالأحداث والحادثات.  وستمر شهور الإجازة كما مضت الكثيرات غيرها ونأمل أن يعود أبناءنا لمقاعد الدراسة ليجدوا بيئة تعليمية أخرى، أكثر عطاءً وأكثر بهاءً، وبأهم من ذلك أن يجدوا معلماً أكثر استقراراً وأكثر قابلية للعطاء.