الأربعاء، 28 حزيران/يونيو 2017

board

السودان مهبط التوراة ومجمع البحرين (1)

د. محمد الفاتح جمعة

هذا العنوان لكتاب جديد أطل على الساحة السودانية الفكرية والوثائقية والتاريخية والعلمية، كتاب لا تزال أوراقه حرة من صرير الماكينات لم تبرد بعد,

كتاب لا يخلو من جرأة لكاتبه في الطرح والعنوان وخطورة في المحتوى تبشر بكسب تاريخي جديد لحضارة كوشية سودانية عريقة مطمورة تحت الثرى، الكتاب يمثل نقلة نوعية في استخدام المنهج الجغرافي في تفسير آيات القرآن الكريم لأن الأحداث التاريخية تقع على الحيز الجغرافي المكاني الذي تؤكده الظواهر والشواهد الجغرافية وتدلل عليه المصطلحات الجغرافية، فالظواهر الجغرافية إذا ما أمعن النظر فيها فإنها تجسد معاني بعض من آيات القرآن الكريم حتى لا يفتر الخيال من السرحان والتوهان لوضع التصورات الذهنية لفهم بيئات الماضي التي وقعت فيها الأحداث، والمنهج الجغرافي الحديث في التفسير القرآني منهج تقريبي لقديم الزمان في زمان حاضر ومعاصر نعيشه ونرى معالمه بين أيدينا، القرآن الكريم مليء بالقصص القرآنية المشوقة بارعة الوصف قوية الدلالات كقصة سيدنا موسى عليه السلام كليم الله وفرعون الطاغية، هذه القصة هي محور هذا الكتاب الذي يفجر من بين سطوره كل الدهشة لقارئه عن امة هي في غفلة عن موروثها الحضاري والثقافي والسياحي وعن تاريخ تليد لحضارة كوشية سودانية هي الأصل.
 ما ان تصل الى نهاية صفحات هذا الكتاب إلا وتدرك معنى المقولة المشهورة لعالم الآثار الفرنسي شارلي بونيه الذي قال (أمة لا تكتب لا تاريخ لها) هذا العالم الفرنسي ظل لأكثر من ثلاثين عاماً أمضاها في شمال السودان يبحث وينقب في الآثار السودانية وفي كل مرة يكتشف كنزاً تاريخياً لحضارتنا الكوشية السودانية الدفينة، وكلما اكتشف كنزاً جديداً أحدث دوياً هائلاً  (bigpen) في ماضٍ صامت تتكلم حجارته وتحكي رسومات ونقوش صخوره عن مجد وتاريخ لامة كوشية سودانية ذات حضارة لا تضاهيها حضارة ما قرأنا في تاريخ الأمم والحضارات السابقة ولا غرو في ذلك فقد اثبتت الحفريات ان أقدم البشر هو انسان سنجة ولا يوجد في التاريخ غيره حتى الآن.
 شكراً للعبقري المبدع عوض جادين، شكراً للاخت آمال صلاح عبد الله فيض الشباب الدافق، شكراً علماء ومفكري هذا الوطن الاوفياء وأنتم تنهضون بمسؤولية الموسوعة السودانية (سودا بيديا) الجنين الذي خرج من رحم وكالة السودان للانباء، هذه الموسوعة التي تسعى للتعريف بالسودان وتقدمه للعالم في صورته الحقيقية التي تعبر عن إنسانه وكسبه وإضافاته للحضارة البشرية، وان يكون أول كتاب في سلسلة إصدارات الموسوعة السودانية (سودابيديا) كتاب (السودان مهبط التوراة ومجمع البحرين) للكاتب  السوداني محمود عثمان حسن رزق الذي اجتهد وسعى حتى جهر بكل هذا القول وصدع بحق مبين استجمع له كل فرضيات القبول وحيثيات المناقشة والترجيح ورمى بصخرة على بركة المياه الهادئة.
 فقد جزم الكاتب بان شبه جزيرة سيناء ولا البحر الاحمر هما موقع أحداث القصة ولا هي بمكان غرق فرعون الطاغية وقومه، إنما غرق فرعون كان في (اليّم), اليّم المقصود في حادثة الغرق هو نهر النيل في شمال السودان، وكلمة (اليّم) يرجع أصلها للغة البجة في شرق السودان فقبائل البجة ما زالت تسمي الماء (يم) حتى يومنا هذا، وكتب التاريخ المنصفة ذكرت ان البجة هم أقدم في الوجود من بني اسرائيل وأكثر منهم عدداً وتأثيراً ثقافياً ولغوياً على طول الشريط النيلي، والتاريخ يروي ايضاً ان البجة عاصروا الممالك المصرية في أوج عظمتها وفي أواخر عهدها، كما ذكر ذلك المؤرخ أ. بول الذي قال في مقدمة كتابه (هذا الكتاب هو محاولة لتقصي تاريخ شعب من أقدم شعوب السودان، فجاء ذكره على لسان مختلف الكُتاب والشعوب أمثال الكاتب ليو افريكانس وراسمي خرائط القرن السابع عشر وبليمي روما وفي مدونات مملكة أكسوم. وممالك الفراعنة ومنذ القرون الوسطى عُرف هذا الشعب بالبجة لفترة الأربعين قرناً التي عرفوا فيها وشاهدوا نشوء وازدهار ثم اندثار كثير من الحضارات والثقافات بدون ان يتأثروا بها ) تاريخ قبائل البجة (ص 2).  يرى الكاتب أنه لا خلاف بين اهل اللغة والتفسير فيما ذهب اليه القرآن الكريم في تسمية المياه المالحة بحاراً ومجاري المياه العذبة بحاراً، ورد في المعجم المفهرس بأن البحر هو الماء الكثير كان مالحاً او عذباً وأضيف لما أورده الكاتب لتثبيت هذا المعنى ما ورد في لسان العرب، باب بحر، ص 4، ص 41 ما جاء( أجمع اهل اللغة ان اليم هو البحر وجاء في الكتاب العزيز فألقيه في اليّم قال أهل التفسير هو نيل مصر) وقال الزجاج : كل نهر عظيم بحر، وكل نهر لا يتقطع ماؤه فهو بحر، وقال الأزهري: (كل نهر لا ينقطع ماؤه مثل دجلة والنيل وما أشبههما من الأنهار العذبة الكبار فهو بحر). وورد ايضاً في لسان العرب: الأنهار العذبة فماؤها جار وسميت هذه الأنهار بحاراً لانها مشتقة في الأرض شقاً. باب بحر، ص4، ص41. فيرى الكاتب ان كلمة البحر التي وردت في آيات القرآن الكريم متناولة حادثة غرق فرعون الطاغية تحتمل التأويلين لذا رجح الكاتب ان المقصود في الآيات القرآنية ليس البحر الأحمر المالح في شبه جزيرة سيناء وإنما هو اليم السوداني العريق الذي هو اصلاً في لغة البجة ماء، وساق من الظواهر الجغرافية ومنطق القول وادراك العقل الرشيد المحايد ما يعزز فرضيته هذه.
 هذا الوجود البجاوي المتطاول على ضفاف نهر النيل جعلهم يفرضون لغتهم على ما سواهم من المجموعات السكانية الاخرى وبالتحديد على طول المنطقة الممتدة من مدينة شندي وحتى مدينة أسوان، فمدينة العالياب والزيداب والنميراب وكل القرى والكلمات التي تنتهي بمقطع (آب) تعني في اللغة البجاوية النسب فانها تقف شاهداً على تغلغل هذه اللغة في هذا الشريط النيلي منذ قديم الزمان. خلص الكاتب الى ان كلمة (اليّم) هي لغة بجاوية كوشية استعارتها اللغة العبرية لغة بني اسرائيل وقد سمي بها نهر النيل خاصة لا يتجاوزه لغيره من الأنهار، لان الأسماء في اللغة تكون حصراً على المسمى والراجح ان القرآن الكريم اخذ كلمة (اليّم) من اللغة البجاوية بمثل ما أخذ الدرهم والدينار من الفرس والروم، فقد حوى القرآن الكريم على كثير من الاسماء الأعجمية من ضمنها كلمة (اليّم) البجاوية الكوشية السودانية، ولم ترد في القرآن الكريم إلا ومرتبطة بقصة ام موسى عندما أمر فرعون الطاغية بقتل الابناء الذكور وترك البنات أحياء بعد نبوءة سحرته وكهنته، فأمر شعبه قائلاً (كل ابن يولد تطرحونه في النهر لكن كل بنت تستحيونها) هذا نص ما ورد في سفر الخروج 22، حينها أمر الله سبحانه وتعالى ام موسى قائلاً (أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني  ولتضع على عيني) طه الآية (29) وقول تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن ارضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) القصص (7).
 يقابل هذه الآيات القرآنية نص في التوراة يقول (ولما لم يمكنها ان تخبئه بعد، أخذت له سقطاً من البردى وطلته بالحُمر والزفت ووضعت الولد فيه، ووضعته  بين الحلفاء على حافة النهر، ووقفت اخته (مريم) من بعيد لتعرف ماذا يفعل به) سفر الخروج، الاصحاح الثاني، آية 1-4. فمن نص التوراة نعلم ان أم موسى قد لفته بنبات الحلفا عندما وضعته في التابوت على حافة النهر،  ونبات الحلفا يوجد في منطقة حلفا وينتشر جنوباً حتى مدينة دنقلا وبه سميت مدينة حلفا السودانية الحالية، هذا يعني أن قصر الملك فرعون كان في تلك المنطقة لان أم  موسى قالت (قالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون) فتتبعت أخت موسى (مريم) التابوت وهو ينساب مع تيار النيل من الجنوب الى الشمال من جانب البر الذي كان ساحلاً مستوياً لترى ماذا سيحدث له، والساحل يطلق على جنبات البحر أو النهر وكلاهما اليابس الذي يجاورهما قال تعالى (فأقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل) (39). وجاء في التفسير الميسر، الباب 38 ص 5، ص 33( وذلك حين ألهمنا أمك: أن ضعي ابنك موسى  بعد ولادته في التابوت ثم أطرحيه في النيل فسوف يلقيه النيل على الساحل فيأخذه فرعون عدوي وعدوه).
لهذا خلص الكاتب الى نتيجة عقلانية وموضوعية وواقعية مفادها أن بيت أم موسى كان قريباً من قصر فرعون الطاغية، وان المسافة التي تتبعت فيها أخت موسى (مريم) التابوت راجلة (قصّية) كانت مسافة معقولة نوعاً ما (ليست سفراً وليالي ولا ساعات طوال ولا موانع للرؤية (فبصرت به عن جنب) تتحرك في سيرها مع حركة التيار للتابوت، وأن قصر فرعون وبيت أم موسى كانا قريبين من النيل مما يمكن أم موسى من ان تأتي إرضاعه يومياً في قصر فرعون بعد أن حرمت عليه كل المراضع، وكذا الطفل يحتاج في اليوم الواحد لعدة رضعات. كلها مؤشرات موضوعية تؤكد انه لا بحر أحمر ولا مياه مالحة وان هذه القصة مسرحها نهر النيل العريق. أجرى يا نيل الحياة لولاك ما كانت حياة.
 والله إنها لعبقرية فذة وجرأة علمية مهابة وواقعية متزنة تحلى بها الكاتب محمود عثمان حسن رزق وهو يعيد قراءة قصة سيدنا موسى عليه السلام بمنظار جديد وبمنهج جغرافي متفرد في التفسير.
وللحديث بقية مشوقة.