الخميس، 27 أبريل 2017

board

جنوب السودان أمام الخيارات الصعبة (1)

يوهانس موسى فوك
- بادئ ذي بدء، لا مناص من التأكيد على ان جمهورية جنوب السودان اصبحت على حافة الهاوية لاسيما بعد احداث يوليو الدامية التي ضربت بعرض الحائط آفاق كل المصالحة الوطنية،

وتسلل من خلالها الضمور السياسي في شتى صنوف الحياة. وكانت كل الآمال معلقة على (اتفاقية حل الأزمة بجمهورية جنوب السودان) بمبادرة من دول الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة الجفاف المعروفة بـ (الايقاد) والموقعة في أغسطس 2015م في كل من اديس ابابا وجوبا على التوالي. إذ نالت الوثيقة الأهمية القصوى بعد الاجماع الوطني بتوقيع اربعة اطراف معرفين فيها كاصحاب المصلحة، وهم، الحكومة برئاسة الجنرال سلفا كير ميارديت، الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان (في المعارضة) برئاسة الدكتور ريك مشار تينج، المعتقلون السياسيون السابقون برئاسة باقان اموم اوكيج، والاحزاب السياسية برئاسة الدكتور لام اكول اجاوين.
 ولكن رغم هذا الاجماع الوطني، كانت هنالك جهات تحاول التأثير على مجريات تنفيذ الاتفاقية بطريقة تخدم مصالحها مما تسبب في انهيارها لاحقاً، وهذه الجهات تشكلت في بوتقة ثالوث خبيث يعمل على فرض تصوراته بغرض تغيير مسار الاتفاقية لصالح فئة معينة ضد معسكر المعارضة المسلحة، وبالتحديد ضد الدكتور رياك مشار تينج الذي ثبت بما لا يدع مجالاً للشك انه كان الحجر الذي رفضه البناؤون.
 من هو الثالوث الخبيث؟
أحد أضلاع هذا الثالوث الحكومة الحالية التي عبرت عن تحفظاتها فى الاتفاقية على لسان الرئيس سلفا كير ميارديت في عدة مناسبات محلية ودولية، ولعل رفض سلفا كير التوقيع على الاتفاقية في اديس ابابا يوم 17 اغسطس 2015 ــ  ويوقع في جوبا لاحقا يوم 26 اغسطس ــ خير دليل على عدم رضاء حكومته بمضمون وبنود الاتفاقية. واشتكى لدى مخاطبته الحضور في حفل التوقيع بجوبا، من عدم (السماح لحكومته بإدخال تعديلات على مسودة اتفاقية السلام بينما أتيحت فرصة ذلك للمعارضين)، واستعار سلفا كير مقولة الرئيس السوداني الاسبق جعفر النميري بالقول (إن الاتفاقية ليست قرآناً ولا انجيلاً حتى لا تتم مراجعتها).
 ولكن مشاهد التآمر على الاتفاقية تبينت بوضوح في الإجراءات التي صاحبت عودة الدكتور رياك مشار الى جوبا بعد السلام، حيث سببت التأجيلات المتكررة لعودته نوبة من المشاعر المحبطة لشريحة كبيرة من مواطني جنوب السودان، خصوصاً القاطنين في مدينة جوبا الذين علقوا آمالهم على التنفيذ الكامل لاتفاقية السلام. وقد عمدت الحكومة إلى إعاقة عودة مشار بسبب رفضها (الحكومة) تحرير تصريح هبوط طائرة الاخير والوفد المرافق له بسبب ما سمته (حجم تسليح الحراسة) ... وبعد تفاوض الطرفين فشلت كل الجهود والمحاولات الحثيثة لمعالجة الخلاف، الى ان تدخلت مفوضية التقييم والمراقبة المعروفة باسم (جيمك) وهي جهة رقابية نصت عليها اتفاقية السلام ويرأسها الرئيس البتسواني السابق فيستوس موقاي، الذي عرض اتفاقاً يتضمن صيغة توافقية.
 اما ابرز الاحداث التي تسببت في انهيار الاتفاقية كانت في 2 يوليو 2016م حينما دعا الدكتور ريك مشار الكنيسة الكاثوليكية لحضور مراسم زواج ابنة الرئيس سلفا كير، بل اسند إلى مشار مسؤولية اب العروس ليرسم الرئيس ونائبه بهذه المناسبة صورة مبعثة للتفاؤل في اوساط الشعب، ويرفع سقف موجة المشاعر العارمة بمشاهد كير ومشار في سدرة التوافق على قلب رجل واحد. ولكن الواقع الاليم لعلاقة الرجلين كان مغايراً لما حدث داخل وخارج الكنيسة، ففي الوقت الذي كان الرئيس ونائبه يخلقان اوضاعاً تفاؤلية في المناسبة العائلية، كانت ايادي الحكومة ـ في نفس التوقيت ــ تمسك بسلاح خبيث لتنثر به بذور الفتنة في مشهد آخر اكثر احباطاً. وكانت القصة هي ان احد القيادات العسكرية للحركة الشعبية والجيش الشعبي في المعارضة ويدعى المقدم/ جورج قسم الله الذي ينحدر من قبائل الاستوائية، قد خرج في زيارة عائلية يوم الاحد الى والدته بحي (اطلع بره) وسط العاصمة عندما هاجمته عناصر استخبارات الجيش الحكومي أمام حشد من المواطنين في سوق شعبي (سوق ستة) وتم إطلاق النار عليه بشكل متعمد الى ان سقط على الأرض ومن ثم اقتيد الى مكان مجهول، تزامناً مع اغتيال ضابط آخر برتبة الملازم أول يدعى/ دوماج كوات المنحدر من قبائل النوير. وبعد بحث طويل تم العثور على جثتيهما في مستشفى جوبا التعليمي في اليوم التالي. واشد ما اثار استغراب الجميع تزامن هذه الاحداث مع المناسبة السعيدة للرئيس ونائبه في التوقيت نفسه.
وفي احداث متصلة، يوم 7 يوليو 2016 قامت القوات الحكومية تحت امر الرئيس بخلق حواجز أمنية على الطرق الرئيسة دون إخطار قوات المعارضة التي تشاركها في السلطة .. وفي السابعة مساءً بينما كانت قوة صغيرة من أفراد حراسة الدكتور مشار عائدة من المكتب بعد تقديم وجبة العشاء للأفراد المرابطة في المكتب ليلاً في طريقهم اليى حي (جبل) حيث يقيم النائب الأول، قامت قوات الرئيس بإيقافهم في بوابة (قوديلي).. ورغم أن حراس مشار اثبتوا هويتهم إلا أن افراد قوات الرئيس سلفا كير تعمدوا عدم الاعتراف بهوياتهم، بل طلبوا منهم الامتثال لاجراءات التفتيش. ووقتها لم يتفاهم الطرفان فتبادلا اطلاق النار الذي قتل فيه خمسة من القوات الموالية للرئيس سلفا كير.
 هذه الاشتباكات شكلت ضربة موجعة لانصار الجنرال سلفا كير الذي سارع هو الآخر بالدعوة لاجتماع رئاسي عاجل يوم الجمعة الموافق 8 يوليو 2016م حضره نائباه الدكتور ريك مشار تينج والسيد جيمس واني ايقا لمناقشة التداعيات الأمنية الأخيرة. وعندما كان الاجتماع منعقداً في القصر الجمهوري قامت مجموعة من القوات الحكومية بإطلاق النار على المقدم/ ريو مانقويت الذي كان يتهمه جنود الرئيس بمقتل زملائهم في حادثة (حاجز الطريق) بشكل عشوائي، فردت القوة الاخرى عليهم ليختلط الحابل بالنابل امام القصر. ومات في هذه الاشتباكات أكثر من (300) فرد من الطرفين. وبتسلسل هذه الاحداث انفجرت الاوضاع ولم يلتق الرجلان (كير مشار) ليومنا هذا.