الأحد، 28 أيار 2017

board

راجعوا العلاقة مع الصين ولا تتركوا الحبل على الغارب

عبد الهادي عبد الباسط  
- تعتبر الصين حالياً ثاني أو ثالث أكبر قوة اقتصادية في العالم بعد أمريكا واليابان إن لم تكن قد تفوقت على الأخيرة، كما تعتبر أيضاً ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية،

وتتفوق على الولايات المتحدة الأمريكية في كثافة أعداد جيوشها بسبب ضخامة قوتها البشرية التي جعلتها تتربع على رأس دول العالم من حيث أعداد السكان (1,5 مليار نسمة)، ولذلك وبسبب هذا التفوق الاقتصادى والعسكرى الصيني تحولت الصين إلى دولة محترمة ومهابة الجانب من كل دول العالم قاطبة وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كان واحداً من أهم أسباب تفوق وتطور الصين عالمياً سياستها الخارجية المتزنة مع معظم دول العالم التي أكسبتها علاقات اقتصادية متميزة مع كل دول العالم خصوصاً على مستوى دول العالم الثالث، حيث ظلت الصين تقيم علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الدول بعيداً عن الابتزاز السياسي والاقتصادى، الأمر الذي أهلها لإقامة شراكات اقتصادية ناجحة مع عدد كبير من دول العالم الثالث، ويعتبر السودان واحداً من أكبر شركاء الصين الاقتصاديين على مستوى القارة الإفريقية، خصوصاً بعد دخول الصين بكل ثقلها كشريك في مشروع استخراج البترول السوداني وفي إقامة كل بنياته المساعدة من أنابيب نقل ومصافي تكرير وموانئ  تصدير، وقد أعطى دخول الصين في مشروع البترول السوداني ميزة لوجستية ممتازة على المستوى الشخصى، حيث كانت التجربة السودانية أول تجربة صينية في مجال استخراج النفط، وبالتالى كان مشروع البترول السودانى القاطرة الاولى التى حملت الصين نحو ذلك المجال الرحب دولياً، وبسبب هذه الشراكة التى قدرها السودان حق قدرها ظل السودان يقدم تعاوناً وتسهيلات كبرى للصين وصلت فى بعض الاحيان الى حد البله ومضارب الغفلة، حيث ظل السودان بكرم فياض يمنح الشركات الصينية أفضلية قصوى في كثير من المشروعات الأخرى، مثل إقامة السدود والجسور والطرق وعدد من مشروعات الكهرباء وغيرها. ورغم أن الصين (تبدو ظاهرياً) شريكاً ممتازاً للسودان، إلاّ أنها على المستوى السياسي ظلت بصورة غريبة تمارس سياسة شاذة وغريبة جداً تجاه السودان، حيث ظلت الصين العضو الدائم فى مجلس الأمن تتفرج على عدد كبير جداً من القرارات الخطيرة التى صدرت ضد السودان من مجلس الأمن الدولي، رغم أن الصين تمتلك (حق النقض) داخل مجلس الأمن، وأصبحت كل ما تفعله الصين أنها توعز للسودان بأنها ساهمت في تخفيض (حدة القرار)، وهذه أيضاً نوع من المخادعة لأن الدول المعادية للسودان عادة ما تدفع بالقرارات المضادة للسودان بسقف أعلى من المطلوب حتى يعطوا بعض الدول التي تدعي صداقة السودان حذف بعض الفقرات ومن ثم الموافقة على تمرير القرار، بل والمساهمة فى تمريره، والذي غالباً ما يكون وبعد (عمليات الحذف) قد صدر بالصورة التي تريدها الدول المعادية، أي أن ما يحذف من القرار يكون أصلاً (مضافاً) بغرض الحذف لمنح (دور صوري) لمدعي صداقة السودان لتسهيل مهمة تمرير القرار، وقد ظلت الصين لا تقدم أي عون جاد لإبطال كل  تلك القرارات التى ضد السودان بما فيها قرار لجنة التحقيق حول مزاعم الابادة فى دارفور الذى كان قراراً خطيراً، لأنه كان الخطوة القانونية اللازمة والضرورية لإحالة ملف السودان للمحكمة الجنائية الدولية، وحتى صدور قرار الإحالة نفسه الذى مر دون حتى مجرد مقاومة من الصين، ورغم هذه المواقف الصينية الغريبة، فقد ظل عدد من متخذي القرار السياسى والدبلوماسى يبررون مواقف الصين بجهل فاضح وسذاجة باذخة حيث يعتبرون أن الصين لا تستخدم (الفيتو) لصالح السودان خوفاً من دخولها في مواجهة أو أزمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا التبرير سطحي وساذج لأن الولايات المتحدة الأمريكية التي ضعضعتها  الحروب وتهتك اقتصادها أصبحت هي التي تسعى لاكتساب ود الصين وليس العكس، كما أن الصين ليست بالدولة الضعيفة التي تبني مواقفها خوفاً من غضبة ردة فعل الآخرين، كما أن كثيراً مما يشاع حول تبرير مواقف الصين غير الداعمة للسودان بسبب ضخامة تبادلها التجاري مع أمريكا مقارنة بالسودان، فإن هذا التبرير أيضاً تبرير ضعيف، لأن كلا الدولتين (أمريكا والصين) مستفيدتان من بعضهما البعض وعلاقاتهما الاقتصادية أكبر وأعقد من أن يؤثر فيها موقف عارض لأي منهما تجاه دولة ثالثة، وهذا التبرير الاستكانى نفسه قد ابطلته الصين و(قدت عينه) يوم استخدمت الصين وروسيا (الفيتو المزدوج) لصالح سوريا وزيمبابوى، رغم ان الصين كانت تعلم مسبقاً ان روسيا ستستخدم (الفيتو) وبالتالى لم تكن الصين فى حاجة لاستخدامه، ولكنها استخدمته لتأكد انها حينما تريد ان تستخدم (الفيتو) تستخدمه وفق رؤيتها الشخصية بعيدا عن حسابات الذرائع السطحية وتبريرات كتائبنا من (المبرراتية)، وعلاوة على كل ذلك فإننا في السودان كثيراً ما نقرأ هذا الجانب خطأً من حيث الأهمية الاقتصادية، وهو ما أشرت له في عدد من المقالات قبل سنوات، وهي أن الاستثمار في مجال الطاقة والنفط استثمار حيوي ومهم جداً، ولا يقارن بأية نشاطات اقتصادية أخرى مهما بلغ حجمها خصوصاً المتعلقة بالتبادل التجاري العادي، لأن هذا التبادل مهما كان كبيراً لا يقارن أبداً بالاستثمار في مجال الطاقة أو البترول اللذين يعتبران المحرك الرئيس لعجلة الاقتصاد، وحتى أقرب هذا المعنى فإن الشخص الذي يمتلك (عربة غالية الثمن) فإن هذه العربة تصبح غير ذات قيمة وغير قابلة للحركة إذا لم تجد (جالون بنزين) يُشترى بدريهمات، ولذلك فإن أهمية دريهمات الطاقة تفوق بكثير اهمية دنانير التجارة، وأهمية الطاقة هي ما تجعل أمريكا تحتفظ بعلاقات مميزة جداً مع المملكة العربية السعودية، رغم ان واردات النفط السعودى لامريكا لا تعادل معشار حجم التبادل التجارى الصينى الامريكى، ولذلك تبدو دائماً مواقف الصين السياسية مع السودان غريبة وفاقدة للتبرير، وهذا الوضع يتطلب من السودان مراجعة شاملة لعلاقاتنا مع الصين، لأننا ظللنا نمنح الصين تسهيلات ضخمة لا تتوافق أبداً مع مواقفها السياسية معنا، وأنا هنا لا أطالب بقطع العلاقات أو الدخول في مخاشنة اقتصادية او سياسية مع الصين، ولكن أطلب فقط وضع تلك العلاقة في موضعها الصحيح الذي يتناسب مع علاقتها السياسية معنا، مما يحتم على الذهنية السودانية وضع الصين كدولة عادية او (عادية+1 ) حتى لا نبني مواقفنا دائماً على السراب الصيني المخادع، ومهم جداً أن تفهم الصين أن الشراكة الاقتصادية التي لا تتحول إلى شراكة سياسية وتكون حاضرة وقت الشدة والضيق هي شراكة لا بد ان تكون محل نظر، كما أنه من المهم للسودان أن يتخلص من (كتيبة المبرراتية) المدجنين الذين دائماً ما يتصدون لمشكلات البلاد بهمة ناقصة وعزيمة فاترة وعقول ساهية وافكار مشتتة، اولئك الذين ظلوا جاهزين على الدوام لتبرير مواقف الآخرين التي تضر ببلادنا، والذين بسبب قصر نظرهم وخطل تفكيرهم أصبحوا دائماً يوردون السودان موارد التهلكة، فهم عندما كانت تصدر قررات أمريكية ضد السودان دائماً ما كانوا يبررونها بأنها بسبب (اللوبيات الصهيونية) و(مجموعات الضغط) المعادية للسودان، وهو الامر الذى جعل العديد من المسؤولين الأمريكيين يستمرأون قبول السودان هذه المبررات، حيث أصبحت تلك هي حجتهم الدائمة في مخادعة السودان لتبرير أخطاء الإدارة الأمريكية في حقنا، كما يفعلون كذلك بذات الأدوات وبذات التقنية في تبريرهم الدائم الساذج لمواقف الصين الخاذلة تجاه السودان، وهذا المقال رؤيته مقدمة ضرورية لمقال لاحق لتقييم عمل الشركات الصينية خصوصاً العاملة فى مجال البترول التى أصبحت اقل حماساً للسير بمشروع البترول السودانى وتطويره، حيث اصبحت تلك الشركات تقدم رجلاً وتؤخر الاخرى، مما جعل ما بقي من البترول من حصتنا فى الشمال يتدحرج كل يوم نحو الأسوأ والحكومة تتفرج.