الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

board

طه والرئيس!.. عبد الرحمن الزومة

لم تشغل الرأي العام السوداني قضية ما مثلما فعلت قضية الفريق طه عثمان, وذلك من وجهين: الطريقة التي (صعد) بها الرجل والطريقة التي بها (هوى)! فالرجل الذي كان قبل أيام مدير مكتب الرئيس تم (ترفيعه) الى منصب غير متداول وهو مدير (مكاتب) الرئيس.

والرجل شغل الناس وهو يصعد ثم شغلهم وهو يخرج من القصر. ولست في حاجة لاسترجاع الجدل الذي ظل يدور حول الرجل منذ أن تم دخوله ردهات (مؤسسة الرئاسة), لكن كان مفهوماً على نطاق واسع أن الرجل مرتبط بالرئيس البشير أكثر من ارتباطه بالرئاسة كمؤسسة, وهو أمر اجتهد الرجل في (تأكيده) والاصرار على ابرازه. والرئيس نفسه لم يقصر في ذلك ما ساعد على تأكيد فكرة أن طه هو أكثر (رجال حول الرئيس) قرباً منه. ولم يكن ثمة دليل على تلك المكانة من ابتعاث الرئيس لطه لكي يمثل السودان في (قمة الرياض) الشهيرة,  وما صحبها من تلك الصورة (الحميمة) له مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لدرجة أن السودانيين أطلقوا بعدها (طرفة) تقول ان طه هو(السوداني) الوحيد الذي صافح ترمب.  ثم فجأة يتم إعفاء الرجل. وإعفاء رجل بتلك المواصفات لا بد أنه تم لأمر (جلل). والناس قد بدأوا بالفعل في نسج العديد من (السيناريوهات) حول ذلك (الأمر الجلل), لكن أياً كان ما ذهب اليه الناس وأياً ما ستثبته الأحداث و (التحقيقات) إن كان ثمة تحقيقات فانه لا بد من الاعتراف أن ما حدث يعتبر أكبر و أخطر (اختراق أمني) يحدث في أعلى الدست القيادي في السودان منذ الاستقلال. وهنا يهمنا ما سيقوله الناس وقد بدأوا يقولون وينسجون حول الحادث الذي يهمنا هو ما يفهمه الشعب حول الرئيس, باعتبار أن الرجل كان قريباً منه فكيف تسنى له أن يأتي ما يستوجب إعفاؤه وهو كما أسلفنا لم يكن بالأمر الهين؟! كثيرون مروا بمناصب في القصر وخرجوا منه لكن لم يحدث خروجهم ذلك الدوي! وما يريد هؤلاء أن يقولوه حول الرئيس و حول كيف له ان يقرب شخصاً بتلك المواصفات ويمكنه من أسراره وأسرار الدولة, علماً بأن أسرار الرئيس هي نفسها أسرار الدولة. و ابتداءً نقول ان ذلك يحدث في أرقى (العائلات) وأعظم  الدول وليس أدل على ذلك من أن واحداً من (أعمام) ملكة بريطانيا و هو اللورد (مونتابن) اكتشف انه كان (جاسوساً) للسوفيت! ليس هذا تبريراً لقصة طه عثمان, لكنه شرح لها. والعبرة هي الطريقة التي تتم بها معالجة الأمر وذلك حتى يطمئن الشعب على سلامة القيادة وسلامة الوطن. ان العديدين قد بدأوا (يغمزون) من قناة السيد الرئيس واتخذوا من قصة طه مناسبة لكي يرددوا حول ما كان يتم تداوله عن الرئيس رابطين ذلك بدعاوى الفساد ومن أن الرئيس يحمي بعض الفاسدين المقربين منه. ولئن أراد هؤلاء استغلال هذه القضية لتحمل دليل اتهام للسيد الرئيس فاننا نرد عليهم حجتهم بأن القضية في الواقع تحمل (صك براءة) للسيد الرئيس وهو أصلاً ليس في دائرة اتهام ودليلنا على ذلك هو أنه إن كان السيد الرئيس يحمي الفاسدين لكان أولى بالحماية (كاتم أسراره) الفريق طه. ان العبرة كما اسلفنا هي الطريقة التي يتم بها حسم القضية بالحزم المطلوب الذي حدث للسيد طه يؤكد أنه متى ما ثبت أو ثار مجرد اتهام لشخص كائناً من كان ذلك الشخص فانه سيتم التعامل معه بالشدة والحزم و ذلك حسب كبر الجرم الذي ارتكبه, ففي مثل هذه القضايا فالكبير هو الوطن ومصالحه العليا. النقطة الثانية هي ماذا بعد؟ الملاحظ أن هذه القضية يكتنفها غموض كثيف ومن واجب  الشعب السوداني أن يعرف بعض الحقائق الأولية أو لنقل له الحق في اجابات لبعض الأسئلة العاجلة وهي أي التهم بالضبط تلك الموجهة الى السيد طه وهل هو الآن مطلوب للعدالة في السودان وهل هو في السودان أم في الخارج.هنالك أيضاً سؤال يتعلق بمن (كشف) المسألة وما هي الحقيقة حول دور مزعوم للأتراك في القضية, ونحن لن نكون منزعجين لو ثبت ذلك الدور التركي بل بالعكس سنكون مسرورين أن أشقاءنا الأتراك هم معنا بتلك الصورة بل اننا في تلك الحالة نطالب بتطوير تلك العلاقة ليس مع الأتراك فحسب بل بالعديد من الأجهزة الأمنية عالمياً وإقليمياً. هذا زمن التحالفات العسكرية بين الدول والتنسيق الأمني بين الأجهزة ونحن بحمد الله لنا ما نقدمه للآخرين فلنا أجهزة أمنية شهد بها العدو قبل الصديق. هنالك مسألة أخرى تتعلق بالطريقة التي يجب أن تتبع مع هذه القضية أو بالأحرى مع السيد طه فالرجل كانت بيده مجموعة من الملفات وهي ملفات ذات درجة عالية من الحساسية والسرية كما أنها أي تلك الملفات لها امتدادات (خارجية), عليه فان التعامل معه يقتضي أقصى درجات الحكمة. ومن واجب جهات التحقيق معرفة مدى (الضرر) الذي ألحقه الرجل بالأمن القومي لبلادنا ان كانت تهم (التجسس) حقيقية! وعلى كل الجهات المسؤولة, خاصة الجهات السيادية أن تكون أكثر حرصاً في التقصي حول من يشغلون الوظائف العامة, بل كل من يكون عمله مرتبطاً بالقصر أو الوزارات ذات الخصوصية, حتى ولو كان (سائقاً) لحافلة نقل الموظفين. نقول هذا وفي البال ما ظل يردده الناس في السودان حول (عدم كفاءة) السيد طه, ابتداءً من تعيينه كمدير لمكتب الرئيس ثم ما تبع ذلك من (قفزات) لا تتناسب مع مقدراته الفكرية ولا مؤهلاته العلمية و لا (مخزونه الأخلاقي)! ولنا عودة لهذا الأمر بطبيعة الحال إن شاء الله.

الأعمدة