الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

board

نظام دولي بلا قواعد أو قواعد بلا نظام

د. بشير أحمد محي الدين
يولد الناس أحراراً ويختارون من يحكمهم ولهم الحق في العيش الكريم..  من القيم التي قرأنا عنها لكنها الآن في مزبلة التاريخ.  فلم يعد لأحد الحق في أن يفعل ما يريد، وأصبحت الرؤية الأمريكية الأحادية هي كلمة السر فمن يصنف يحاصر،

بل وتحتل أرضه ويمنع أسباب الحياة.   فأمريكا تكره التاريخ لأنها تعيش بدونه. ترى هل لها (حق الهي)  في تقويم وتأديب الأمم وحصارها حتى تعود الدول المارقة للحظيرة ويسود العالم النمط الأمريكي اللعين ؟.
العقوبات الأمريكية الأحادية على السودان
في صباح  13يوليو 2017م لم أكن في حاجة لأسمع الأخبار او أدير مؤشر الراديو ، بل في ليلة  12يوليو نمت غرير العين لأنني موقن بأن (الأمريكان) ملوك الدهاء السياسي و(سيدخلون بحمد ويمرقوا بخوجلي)  ولن يرفعوا عقوباتهم الأحادية الجانب ويتعللوا بحجج لإطالة أمد الحصار. فلم أندهش او حتى أتخيل بأن العقوبات سترفع لعلمي القليل بطرق اتخاذ القرارات وصناعة السياسة الخارجية الأمريكية ، لذلك توجهت لصفحة صديق متابع للأحداث في (فيس بوك) ووجدت الذي تخيلته تمديد العقوبات لمدة ثلاثة أشهر أخرى.
فمن هي الولايات المتحدة حتى تفرض علينا شروط الطاعة وتؤلب على السودان المجتمع الدولي وتفرض علينا حصاراً خانقاً منذ عشرون عاماً ونيف تحرمنا أبسط حقوقنا كبشر وتخاف منظماتها الحقوقية على (القطط والكلاب) وتترك البشر تحت أزمة حصار تكنولوجي واقتصادي خانق؟!.
تملك الولايات المتحدة قوى عظمى عسكرياً تجوب العالم واقتصادياً عبر آلية الدولار، وتتحكم في الاقتصاد الدولي  و(تسلح المال) وبالتالي تتحكم في النظام الدولي ولديها حلف قوي من الدول التابعة والمسبحة بحمدها . فالولايات المتحدة اليوم إمبراطورية تتحكم في كل شيء ذات حدود شفافة وإن صوت (طلقة)  في أقاصي المحيط الهادي تعتبره مهدد لأمنها القومي، والغريب إن الذين يهددون أمنها هي من تمنحهم السلاح (والرصاص) في منهج ازدواجي المعايير. وبدون النظر لأثر ما تفعل ولا تنظر إلا لمصالحها السياسية وكونها قوى عظمى. لذلك اختلت موازين النظام الدولي واضحت القوة هي ما يحكم النظام الدولي.
عالم بلا قواعد او قواعد بلا نظام
عشية سقوط الاتحاد السوفياتي السابق أعلنت الولايات المتحدة نظاماً عالمياً أحادي القطبية، واستطاعت أن تدمر نظم في (العراق وأفغانستان) ونصبت (نفسها) بديلاً للمنظمة الدولية وأصبحت تتخذ قرارات أحادية أضرت كثيراً بالأمن والسلم الدوليين، فلم تعد قواعد النظام الدولي التي وضعها الآباء المؤسسين (روزفلت وستالين وتشرشل) عشية انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية هي التي تحكم وهذي وفرت وقتها نوعاً من (توازن القوى) فلم تعد الآن أمراً ذا بال، بل اتجه المحافطون الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية للدخول في حروب عبثية ونشروا القوات الأمريكية في كل العالم مستفيدين من (بيرل هاربر القرن العشرين) ولمن لا يعرف بيرل هاربر هي المعركة التي دمَّر فيها اليابانيون الأسطول السادس الأمريكي في المحيط الهادئ وهي سبب دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية بثقلها وغيرت كفة الحرب وقتها .أما بيرل هاربر القرن العشرين الجديدة، فهي أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م حيث هوجمت أمريكا في عقر دارها من قبل تنظيم القاعدة الذي هو صناعة أمريكية خالصة تدريباً وتسليحاً، والذي مولته لحرب الروس في أفغناستان.  فبنت الولايات المتحدة الأمريكية إستراتيجية تقوم على خلق (بعبع)  الإرهاب واستفادت من هذا الشعار لتعيد صياغة النظام الدولي على أسس جديدة واعتبرتها فرصة لا تتكرر لبسط النفوذ بعد غياب القطب المنافس لها او أية قوى تقف أمامها.
خلال حربها على الإرهاب الذي استغلته لحرب الشعوب وحصارها وتحت دعاوى حقوق الإنسان والعدالة والإرهاب وغيرها من لافتات الزيْف التي استغلتها، هيمنت على مقاليد النظام الدولي بقوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتكنولوجية، فوضعت شعوب صنفتها بقاعدة ( من ليس معنا فهو ضدنا)  تارة تحت شعار الأمم المتحدة وتارة بدعاوى حلفها وتارة منفردة.  حتى أضحى العالم تحكمه قاعدة أنت حليف تدفع وتقاتل في الخندق الأمريكي فأنت إذن.. ليس من محور الشر. عقلية الكابوي الذي يطلق عليك رصاصة ويسميها (نيران صديقة) او بعدما يتأكد من موتك ليقول لك (هاي) حكمت هذي العقلية النظام الدولي، بل إن أكبر مورِّد للسلاح وداعم للتمرد ومن تمتد يده لإشعال الثورات كانت هي حكومة الولايات المتحدة خلفة وتمارس إرهاب الدولة المنظم، بل اتجهت الى إصدار شهادة وفاة لكل الحضارات، فقالوا إن هذا هو العصر الأمريكي وهذي (نهاية التاريخ) فعلى شعوب الدنيا أن تدين بالعولمة التي هي تنميط للعالم على الأسلوب الأمريكي وأن يتطلع للحلم الأمريكي وإلا فأنت منتهك لحقوق الإنسان وإرهابي تُطرد وتُهان في كل مطار . اتجهت أمريكا الى إلغاء تورايخ الحضارات الإنسانية لآلاف السنوات لصالح أنموذجها الذي لم يتعدَ المائتين وخمسين عاماً بعد أن نجح في استرقاق الزنوج وخطفهم وتسخيرهم و(قرض) الهنود الحمر واستخدم السلاح النووي في سابقه لم تشهدها الإنسانية من قبل.  لم يكفِ واشنطن أنها ساهمت في زرع إسرائيل في قلب الشرق الأوسط دولة الإرهاب الممنهج ،ولم يكفِ أمريكا أنها تصنع السلاح الذي مات به أغلب الضحايا وبعد كل هذا تطالبنا باحترام حقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها من القيم الأمريكية التيت تناقض أقوالها وأفعالها وتاريخها الدموي.
ولاتزال سادرة في غيها القديم (فمن خلى عادتو قلت سعادتو).
بمنطق القوي تفعل ما تريد وتقرر حصار الأمم، بل وتطلب الجباية من أوروبا فزيارة ترامب لحلف الناتو طالبهم بمبلغ 132 مليار دولار وطالب العرب بنصف تريليون دولار وطالب اليابان وكوريا وكل أحرار العالم أن يدفعوا لأن الولايات المتحدة تدافع عن الأمن والسلم الدوليين.  فانظروا هداكم الله الى حال الدول التي ترى فيها أثر أمريكيا تجدها تعاني من الحروب والأزمات المستعصية والصراعات دونكم أثر ظاهرة الربيع العربي والأحوال في السودان وجنوب السودان!!.
أعود إلى أن مبدأ منطق الحصار لن يضر بالحكومة، بل بـ(محمد أحمد)  المسكين وأن الحصار لن يرفع حتى لو حولنا عملتنا (للدولار) وعلمنا لعلم (اليانكي) واتفقنا مع الحركات المسلحة او (جبنا لبن الطير) او نفذنا المسارات الخمسة ما لم ترضى عنا إسرائيل ومن بعدها الولايات المتحدة الأمريكية.
إن النظام الدولي اليوم أشد اختلالاً، لذلك تبرز قوى تمتلك السلاح والمال لنتافس بمنطق القوة لذلك يصبح الضعيف تحت رحمة القوي ويغيب مفهوم التوازن الذي هو سر تقدم البشرية.  فبعد الحرب العالمية الثانية قال الزعيم الفرنسي شارل ديغول (قطب واحد فوضى وقطبان تنافس وتعدد الأقطاب الدولية توزان) فنحن نشهد مرحلة عاصفة وميلاد أقطاب وحتى بروزها سيخضع النظام الدولي ليد الجراح الأمريكي الذي يبتر ويطلق النار على كل شيء لأنه يملك مفاتيح اللعبة الدولية، وباقي الدول ستدخل (مباراة صفرية) المنتصر هو من تقف خلفه أمريكا فهو معهم وليس ضدهم وبالتالي يمنع التنوع والتعدد وتحاصر الشعوب وتزل الأمم تحت دعاوى أنك لم توافق على الشروط الأمريكية
جاهلية القرن الواحد والعشرين. وعالمنا اليوم على الرغم من التطور والتمدن وتشابك المصالح، لكنه غارق في مستنقع الدولار والهيمنة الأمريكية، ويمكن أن ينقذ كلب او قط ويعتبر هذا شكلاً من أشكال البطولة، إلا أن الإنسان، بل أمم لا حق لها أن تعيش، لأنها غير بيضاء او لا تدين بالدين الأمريكي الجديد الذي أعاد تجارة البشر والرق وحصار الأمم وحروب العصور الوسطى. فلا دولة لديها سيادة تحترم ولا شعوب تحفظ كرامتها بكل ببساطة شعارات الغرب ذهبت مع الريح فدونك أي نشرة أخبار تجدها كلها مظالم للشعوب وسحل للبشر تحت لافتات الحرية والديمقراطية.
مَنْ منح أمريكا الوصاية على النظام الدولي ألا سلاحها النووي الذي تستطيع أن تدمر به الحياة على سطح الأرض بـ(كبسة زر) لأنها الأحق بالحياة وبقية الأمم تحت رحمة قوتها الساحقة.
لقد ولى عصر قواعد النظام الدولي وهيئة الأمم المتحدة وفيتو مجلس الأمن والتحالفات الإقليمية والمنظمات الدولية لصالح التقدير الأمريكي الأعرج الذي يقود العالم نحو كارثة جراء القيادة الأحادية للعالم. إنه عصر المدهشات حقاً "وحسبنا الله ونعم الوكيل"..
هذا والله أعلم