الجمعة، 21 تموز/يوليو 2017

board

الذكرى السنوية الأولى لانتصار الديمقراطية الكبير الذي حققناه

بن علي يلدرم (*)
-مرت سنة واحدة على تغلبنا على أكثر هجوم إرهابي دموي في تاريخ الجمهورية التركية.  وخلال هذه السنة أثبتت تركيا متانتها وثباتها وقابليتها للتحسن وقوتها.  ومن الأهمية بمكان أن نجري محاسبة لهذه السنة التي مرت وأن ننظر إلى الأمام.

وقبل كل شيء يجب أن نتذكر ما الذي واجهناه. فما عشناه في تلك الليلة كان هجوماً شنه خونة مندسون في الجيش التركي وتابعون لشخص أبله يرى نفسه "إماماً للكون"، على الدولة التركية . لقد واجهنا مجرمين قصفوا برلمانهم الوطني، ودمروا مقر شرطة المهام الخاصة الذين يقفون في الخطوط الأمامية من حربنا ضد التنظيمات الإرهابية، وهاجموا المدنيين العزل بالدبابات، وقصفوهم بالطائرات الحربية والحوامات الهجومية. ولم نشهد في تاريخنا مثل هذه الوحشية. لقد قامت هذه الشبكة الإرهابية بقتل 250 مواطنا تركيا وجرح أكثر من 2000 آخرين.
وإذا ما تمعنا في مجريات تلك الليلة سنرى أمرين نعتز ونفتخر بهما ظهرا خلال هذه التجربة المريرة جداً الأول: هو شجاعة الشعب التركي وعزمه. لقد خرج الشعب التركي من كل شرائح المجتمع وكل ألوان الطيف السياسي، إلى الشوارع لمواجهة الانقلابيين.  وواصلت قنوات التلفزة بثها على الرغم من التهديدات التي وجهها الانقلابيون والضغوطات التي مارسوها.  وأصبح الشعب التركي جسداً واحداً.
والثاني:  هو إظهار الشعب التركي للعالم أجمع أنه متمسك بالديمقراطية وسيبقى كذلك على الدوام.  لقد أثبت شعبي أن تركيا لا يمكن أن تُحكم من قبل مجموعات مسلحة، وإنما من قبل حكومات وإرادة شعبية تتولى زمام الأمور عبر الطرق الديمقراطية، لأن الشرعية الأقوى هي الشرعية الديمقراطية.  وقد تجاوزنا، كبلد، هذا الامتحان الصعب في الديمقراطية مرفوعي الرأس.
ولكن السؤال الذي وجهته إلي حفيدتي بكل براءة في تلك الليلة، سيبقى ماثلاً في ذهني وأذهان الجميع: "جدي ! أليس هؤلاء جنودنا نحن؟". حقيقةً، ما هذه الذهنية والعقلية التي تسمح لإنسان ما بأن يهاجم بكل وحشية مواطني بلده ومؤسساته ورموزه وقادته؟
إن جواب هذا السؤال كامن في طبيعة شبكة الخيانة التي نواجهها.  ففي تلك الليلة كنا نواجه شبكة إجرام كانت تنفذ بشكل أعمى الأوامر التي تأتيها من زعيمها فتح الله غولن عبر بروفيسور إلهيات. إننا نتحدث هنا عن شبكة من الخونة وهم يقومون ضمن القاعدة العسكرية التي استخدموها مقراً لهم، بإلقاء التحية العسكرية على مدير إحدى الشركات التابعة لتنظيم غولن الإرهابي وصاحب إحدى المدارس التي يشغلها التنظيم، حيث أنهم لم ينالوا نصيبهم من الماضي العريق للجندي التركي والذي يمتد لألف عام.
وفي الأساس كانت حكومتنا على علم بالوجه الحقيقي لفتح الله غولن قبل 15 تموز/يوليو، وكانت قد بدأت التحرك قبل ذلك التاريخ.  وكنا نبذل الجهود للكشف عن امتدادات هذا الكيان ضمن الدولة، وكنا قد قطعنا أشواطاً هامة على هذا الصعيد.  ولكن المحاولة الانقلابية 15 تموز/يوليو أظهرت، وبشكل مؤلم، تجاوز التهديدات التي تواجهنا لتوقعاتنا إلى حد كبير، ومدى عمقها وتعلقها بالمصائر. كما ظهر مدى كبر الفخ الذي نصبه فتح الله غولن للدولة التركية منذ 40 عاماً . لقد تحرك أعضاء تنظيم غولن الإرهابي طوال هذه السنوات، ووفقاً للتعليمات الصادرة إليهم من قبل فتح الله غولن، "ضمن أكثر المناصب حساسية داخل منظومة الحكم في الدولة، دون أن يحس أحد بوجودهم"، وتسللوا إلى "كافة مراكز القوة تقريباً"  كما تفعل العدوى التي يتسبب بها فيروس فرض سيطرته على أعضاء الجسم الرئيسة الواحدة تلو الأخرى.  وقد قمنا بإجراء تحقيقات إدارية وجزائية وقانونية شاملة، طيلة السنة التالية للمحاولة الانقلابية الفاشلة 15 تموز/يوليو، وتم التوصل إلى الكثير من القرائن المهمة المتعلقة بهذا الكيان الذي خطط ونفذ المحاولة الانقلابية.
وتظهر القرائن التي بين أيدينا ما يلي: نحن نواجه منظومة عقائدية ضالة ومغلقة على نفسها أنشأها ويرأسها فتح الله غولن. ومهمة المدارس ودور السكن الطلابية التابعة للتنظيم هي غسل الأدمغة وضم وتجنيد العناصر لصالح التنظيم.  وتم ضمان تسلل أعضاء التنظيم الذين نشأوا هنا والذين أبدوا ولاءهم لزعيمهم الذي يعتبرونه "مسِيحاً"، إلى مؤسسات الدولة. وبذلك تم تبوأ المناصب الحساسة من قبل أناس ينفذون كل المهام اللاقانونية واللا أخلاقية، وفقاً لأهداف التنظيم، ودودن أية مساءلة.  ونصب هؤلاء الأشخاص الكثير من الكمائن كمخالفة القوانين أثناء اختبارات انتقاء الموظفين العموميين، والتنصت اللامشروع، والابتزاز والدعاوى الكيدية.  وتم إنشاء مصادر لتمويل التنظيم من خلال إنشاء كيانات تعمل تحت يافطة الجمعيات الخيرية والمؤسسات الوقفية.  كما تم تبييض مليارات الدولارات عبر الشركات القابضة والمصارف.  أما الذراع الإعلامي للتنظيم فكان يتولى مهمة الترويج للتنظيم.  هل هناك "حركة تعليمية" تعمل وفق هيكلية الخلايا، ويتعرفون على بعضهم بأسماء حركية، ويخترعون تطبيقات مشفرة للتواصل فيما بينهم، وتدرب أعضاؤها على تقنيات التهرب من الاستخبارات والتكتيكات الخاصة بإخفاء انتماءاتهم؟ لقد جرب هذا الجيل الجديد من التنظيمات الإرهابية كل السبل بلا استثناء بهدف القضاء على كل من لا ينتمي إليهم، وبذلك لم يعملوا على فرض سيطرتهم على الحكومة فقط، بل على الدولة التركية بمجملها، وفقاً لما تمليه عليهم أطماعهم الضالة.  فالشعب التركي قام ليلة 15 تموز/يوليو بإلحاق الهزيمة بهذه الأطماع الضالة والخطيرة بعينها .  وأستطيع القول إننا تمكنا، وعبر التدابير التي اتخذناها، من كسر العمود الفقري للتنظيم ضمن تركيا.  ولكن التهديد لا يقتصر على تركيا فقط، لأن التنظيم يملك في الكثير من الدول كيانات مشابهة لما هو موجود في تركيا، وهم حالياً يواصلون زراعة بذور الخيانة في الدول الأخرى .  وهم في هذه المرة يلهثون خلف الحصول على نفوذ اقتصادي وسياسي على الصعيد العالمي ليتمكنوا من البقاء على قيد الحياة.  وأنتهز هذه المناسبة لأحذر كل الأصدقاء مجدداً في هذا الخصوص.
لقد أظهر الشعب التركي للعالم أجمع أن الديمقراطية شيء ليس من السهولة بمكان الحصول عليها، وإنما هي قيّمة لدرجة تستحق فيها التضحية بالأرواح من أجلها. والمهمة الأولى الملقاة على عاتقنا هي اتخاذ التدابير اللازمة والكفيلة بعدم مواجهتنا على الإطلاق لتهديدات مشابهة في المستقبل.  ونبذل أقصى الجهود من أجل ضمان السير بهذه العملية الصعبة ضمن الأطر الدستورية.   وأخيراً يمكننا القول إنها محاولة للقضاء على الديمقراطية التركية، ولكن ديمقراطيتنا هي التي تغلبت وفازت.  وبالتالي، ستكون أهدافنا ومساعينا منصبة من الآن فصاعداً على اتخاذ الخطوات اللازمة من أجل نقل الديمقراطية إلى أكثر القمم أماناً وأكثر النقاط نموذجية.
 (*) رئيس وزراء الجمهورية التركية