الجمعة، 21 تموز/يوليو 2017

board

تصريح (أشتر) .. بروفيسورمحمود حسن أحمد

ورد فى قاموس لسان العرب (الشتر بفتحتين انقلاب فى جفن العين) بمعنى أنه مخالف للمعلوم أو المألوف، ولأنه كذلك يجد الاستغراب كردة فعل. هذا فى الشأن البسيط، أما فى الشأن السياسى للدولة فشىء آخر أشد وقعاً وأثراً.

والسياسة علم قائم بذاته وله علاقة بتخصصات أخرى كثيرة ولاسيما بالاعلام والاقتصاد، والكلمة فى الاعلام كالرصاصة وأشد وقعاً وانتشاراً، وان اطلقت يتعذر ارجاعها لموقعها بيسر الا بعد زوال مفعولهاوتعريض مطلقها لمسؤوليات ومحاسبة، وخاصة إذا كانت مخالفة لوجهة نظر استراتيجية، تحمل الشىء بلسانين متضادين يجعل المتلقين فى حيرة من الأمر، ويستغل كل طرف ما يحلو له ويحقق مصالحه ومقاصده. فالمرء، عامة، له حرية الرأى حسب المفهوم الربانى للإنسان، وكذلك وفق ما شرعته القوانين الدولية. ورغم هذا يحذر الدبلوماسيون الخوض فى الإدلاء بتصريحات حتى ولو كانت معلومة قبل الرجوع الى الجهات المسؤولة رسمياً وأخذ موافقتها وما يجب أن يقال أو ما لا يقال . والدبلوماسى ليس فقط من ينتسب الى وزارة الخارجية، وانما يمتد الانتساب الى كل مسؤول فى زيارة رسمية أو حتى زيارة شخصية الى الخارج ، حيث لا ينشطر الانسان الى جزءين، هذا شخصى وذاك رسمى. وبالتأكيد ان وزير الاعلام يعبر عن الدولة سواء فى الداخل أو الخارج، حتى فى جلسات أفراح أو أتراح أو جلسات مع أقرب أقربين، وكل كلمة محسوبة له أو عليه، ما دام فى الموقع الرسمى، وغير مسموح له الادلاء بما كان أو ما سيكون، بزعم أنه يعبر عن رأيه الشخصى حتى بعد اعفائه من المسؤولية، حفاظاً على أسرار الدولة وهيبتها ومصداقيتها. والعالم المتقدم يسمح بكشف الأمر بعد مرور ثلاثين عاماً، بغرض تمليك الرأى العام معلومات ماضية، وهذا ممدوح ان لم يكن بحساسية مفرطة. وما دعا الى تناول هذا الموضوع ما صرح به وزير الاعلام الدكتور أحمد بلال عثمان فى مصر وتبريراته غير المقبولة، التى أشارت الى ما قاله فى داخل المؤتمر وما هو فى خارجه، وكأنه يقول هذا رأيي وذاك رأى الحكومة ... لا يا دكتور ... أنت موفد انابة عن الدولة وتمثيلها فى مؤتمر خارجى ولم تكن فى رحلة شخصية، ولا حتى فى الرحلة الشخصية لا يجوز الفصل بين الاثنين الا بعد الاعفاء وبحسابات حذرة. وقد شهدناك حريصاً على توضيح أهمية وظيفة الناطق الرسمى حتى للوزارات والمؤسسات وتكلمت كثيراً فى هذا الشأن وما يجب أن يكون عليه هذا الناطق الرسمى، وبالتالى أنت عالم بخطورته، ولكن أحياناً يأتى الخطر من مكمنه، وبالله هل يفوت عليك، وأنت المتمرس فى السياسة العامة مثل هذا التصريح (المشاتر) الذى قذف خارج توجهات الدولة والشعب، ووضعهم فى حالة استدعت التصحيح. فالموقف السودانى المؤيد من معظم شعبه، مع عدم الانحياز لأحد طرفى النزاع الخليجى وتفضيل المساعى الحميدة بالتعاون مع الكويت راعية مبادرة اصلاح ذات البين بالطرق الدبلوماسية، ومعروف فى المحافل المحلية والإقليمية والقارية والعالمية، ومعظم الشعب السودانى يؤيده عن معرفة وقناعة تامة ...ووفق زيارات لكثير من الدول وتجارب فى العالمين المتقدم والنامى، لا أحسب أن شعباً يبذ السودانيين فى ادراك السياسات الخارجية والعلاقات الدولية، فهو مغرم بها وملم بتفاصيلها حتى وان كانت بعيدة وليست لهم فيها ناقة ولا جمل، وفى هذا ايجابيات وسلبيات، تخصص لها مقالة قادمة ان شاء الله . والحالة (المشاترة) الآن لم تكن الوحيدة، حيث مازالت الذاكرة السودانية تحتفظ بما أدلى به وزير الخارجية فى موضوع داخلى معين، قبل سبعة وأربعين عاماً، وهو فى الخارج، وتم اعلان اعفائه قبل عودته الى الخرطوم، درءاً لخلافات، رغم أن ما قاله كان معلوماً للقاصى والداني، أما عن كلام الدكتور أحمد بلال بأن مصر هى أقدم الحضارات، فدونكم ما دونه نبى الله موسى عليه السلام فى سجل العهد القديم وبالتحديد فى الاصحاح العاشر من سفر التكوين، وكثير من المصادر الأجنبية المحايدة وخاصة كتاب( مملكة كوش)، وكتاب (الفراعنة السود الذين حكموا مصر)، وهما لباحثين بريطانيين فى علم التاريخ والآثار، تناولا البحث بموضوعية تامة، الى جانب مؤلفات سودانية وأجنبية أخرى، لتعلم سبق مملكة كوش لكل حضارات العالم وامتدادها من (جبل موية) جنوب غرب سنار حتى مصر التى حكموها واحداً وتسعين عاماً، ومنها الى فلسطين وبلاد آشور فى الشام والعراق وتركيا .
وحقاً أن الواجب العلمي تطلب التريث قبل هذه الكتابة، الى أن تم التأكد بالتفاصيل، وحسناً فعل اتحاد الصحافيين فى شجب التصريح، ولا شك انها حالة عجيبة واجبة المساءلة فى المجلس الوطنى، تعبيراً عن الرأي العام، ووضع ضوابط لتصريحات المسؤولين، سواء أكانت فى الداخل أو الخارج .