الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

board

الفخ الأمريكى الجديد للسودان.. د. محمود الرزيقي

الاغتيال الاقتصادى للأمم سياسة امريكية محكمة، ظلت تمارسها على الدول كخيار أول وبديل أمثل للاستغلال الاستعمارى بشكله الجديد على الشعوب التى يقودها الحظ التعيس للوقوع فى ورطته صعيبة الفكاك. والراهن الآن بين السودان والولايات المتحدة

ومراوغة الاخيرة برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان عشرين عاماً، يتطلب قراءة فاحصة للسلوك الامريكى خلال القرنين الماضى والحالى، وفقاً للسوابق المشهودة للإدارة الامريكية، ومآلات الاوضاع التى وصلت اليها الشعوب التى بلعت الطعم الامريكى المسموم.
 فمن المعروف أن امريكا تنزع للهيمنة على موارد الدول ومقدراتها الاقتصادية والسياسية والمراكز الحيوية فى العالم، والجنوح المفرط لخدمة التطلعات الامبريالية الامريكية، وتلبية مطامحها غير المحدودة. ويعتبر الاستغلال المفرط  لموارد دول أمريكا اللاتينية، كاستيلائها على غابات الامازون الغنية بالنفط فى الاكوادور، واغتيال رئيسها (خايمى رولدوس) بتفجير طائرته، لمعارضته غلواء امريكا وتعديها على بلاده، واغتيالها أيضا رئيس بنما (عمر توريخوس) ، بنفس الطريقة التى تمت بها تصفية زعيم الإكوادور عندما أعلن انحيازه للفقراء من شعبه ورفضه غطرسة امريكا على قناة بنما وسعيه لإعادتها للسيادة الوطنية لبلاده. ولا يخفى على أحد مسرحيات احتلال العراق وأفغانستان والابتزاز الممنهج والمستمر لدول الخليج العربى، وكثير من النماذج التى تسجلها صفحات التاريخ.
 مجريات الأحداث تؤكد بوضوح اعتزام امريكا نقل المشهد للسودان، بذات السيناريوهات التى تبدأها بإرسال الشركات المتعددة الجنسيات، والتى تديرها المخابرات الامريكية للعمل على إقناع الدول باقتراض أموال طائلة من البيوتات المالية الدولية لتمويل مشروعات التنمية والبنيات التحتية تحت اشراف وتنفيذ ذات الشركات التى قد تفوق نسبتها من عائدات المشروع أكثر من70%، وعندما تعجز الدولة عن سداد القروض وفوائدها، يكون الفخاخ قد استحكم قبضته فى إرادة البلاد ومواردها وبالتالى ضمان تبعيتها المطلقة للإمبراطورية الامريكية، ولا يتم ذلك إلا بتمكين قيادات فاسدة من الحكم فى الدولة المعنية تتبنّى وتحمي القيم الأمريكية والانغماس في حلمها المكذوب.
 ما نراه الآن من خطوات فى المسار الامريكى نحو السودان تطابق تماماً ما أشار إليه القرصان الاقتصادى جون بركنز فى اعترافاته التى نشرها قبل أعوام فى كتابه (الاغتيال الاقتصادى للأمم)، والذى يلقى فيه الضوء على ممارسات النخب السياسية ورجال الأعمال المهيمنة على مجريات السياسة والاقتصاد فى امريكا، والتى يسوقها اللوبى اليهودى حيث يشاء لتحقيق سطوة الامبراطورية الكونية اليهودية.  ولا شك أن الحضور اللافت لبعض الشركات الامريكية خلال الفترات الماضية للسودان هو بمثابة تمهيد لإجراء دراسات يقوم بها خبراء واستشاريو هذه الشركات، حيث تتم الموافقة والمصادقة على تمويلها من قبل البيوتات والمنظمات المالية فى شكل قروض للدول النامية المستهدفة، ويقول جون بيركنز كقاتل اقتصادى محترف مارس هذا الدور فى عدد من الدول، إن الدراسات التى يرفعها الخبراء توضع بطريقة تجعل الدول المدينة غير قادرة على الإيفاء بالسداد بعد سنوات محدودة، الأمر الذى يضعها تحت طائلة لا حصر لها من الضغوط المالية والسياسية، كالتصويت لصالح امريكا فى الامم المتحدة، أو السيطرة على موارد محددة، أو قبول وجود عسكرى، أو غير ذلك من الشروط المتفق عليها أو التى يفرضها الدائنون، وإلا فإن أمريكا ستلجأ الى مبدأ الرئيس الامريكى الاسبق( جيمس مونرو) والذى يخول فيه لأمريكا غزو أية دولة فى الامريكيتين تعارض سياستها، حيث اصبح هذا المبدأ ينطبق على كل دول العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وانتصار الرأسمالية الامريكية التى عملت على تقسيم العالم الى مناطق اقتصادية نوعية تخدم الطموحات الامريكية عبر الشركات التى توفدها للدول أولاً كما اسلفنا، لرسم مخططاتها الاخطبوطية بفاتورتها الباهظة التى سيدفعها الفقراء من شعوب دول العالم المستهدفة.
  وتفضح مسعى الإدارة الامريكية تصريحات شركاتها بالتقليل من آثار عدم رفع العقوبات، وتبدى فى ذات الوقت رغبتها في الاستثمار فى السودان. وهى الأهداف الحقيقة وراء المناورات السياسية الامريكية الراهنة المتعلقة برفع العقوبات. فبالرغم من التقدم الكبير الذى احرزه السودان فى مكافحة الارهاب وجرائم الاتجار بالبشر وغيرها من القضايا المقلقة للمجتمع الدولى، إلا أن الواقع يدلل على أن أمريكا لا يعنيها ذلك في شيء سوى مصالحها المرجوة من قبل الجانب السودانى، وبالتالي فإن امريكا تريد ممارسة المزيد من الضغط وكسب مساحات أكبر من التنازلات، ورفع سقوفات مطالبها غير المحدودة، حتى تتمكن من إبرام عقود لشركاتها بمبالغ كبيرة تكون فوائد سدادها فى المستقبل وبالاً على البلاد والعباد.
إذن فالتحدى القادم الذى تسعى امريكا للمساومة عليه يكمن فى مدى موافقة الحكومة السودانية على المشروعات التى تسعى الشركات الامريكية للفوز بها وفق منظورها غير العادل، والذى قد يفضى فى النهاية إلى بيع المؤسسات الخدمية لشركاتها التى تنفق المليارات من الدولارات على تأهيلها واحتكار المستقبل لصالحها، وفى ذلك الوقت نكون قد فقدنا إرادتنا الوطنية وذهبنا بها إلى حيث لا تعود، فكثير من شعوب العالم التى تدور فى فلك الإدارة الامريكية لم تجن إلا المزيد من ويلات الفقر والدمار.

الأعمدة

د. عارف الركابي

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

خالد كسلا

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

بابكر سلك

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

عبدالمحمود الكرنكي

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

محمد عبدالماجد

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

الصادق الرزيقي

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

كمال عوض

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

خالد كسلا

الأربعاء، 13 كانون1/ديسمبر 2017

د. حسن التجاني

الأربعاء، 13 كانون1/ديسمبر 2017

بابكر سلك

الأربعاء، 13 كانون1/ديسمبر 2017

كمال عوض

الأربعاء، 13 كانون1/ديسمبر 2017