الإثنين، 21 آب/أغسطس 2017

board

التوازن البيئي ..فطرة الله في الأرض

محمد بشير عبادي*
- الإسلام دين  يدعو إلى تحقيق التوازن في كل جانب من جوانب الحياة ، كي تستمر  بعيداً عن المشكلات والمهلكات والمخاطر وما مؤتمرات قمة الأرض ، وقرارات حظر التجارب النووية ، والدعوة إلى خفض الإنتاج الصناعي ،

ومعالجة مشكلة تزايد النفايات بأنواعها المختلفة  ماهي إلا نتائج للاختلالات في التوازن، فطرة الله في الأرض وكل ذلك بما كسبت أيدي الناس ، قال تعالى:( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، الروم:الآية (41) ، فدورة الحياة تجعل لكل كائن حي دور محدد مكمل لدور الآخر فإذا تعداه حدث الاختلال.
في بعض الولايات الأمريكية وُجد أن آلاف الأسراب من النحل بدأت تنقرض أي الملايين من أفراد النحل وذلك بسبب الملوثات الصناعية من أبخرة سامة وخلافه ،وجد أن هذا النحل النافق كان يتغذى على بعض الفطريات الموجودة على الأزهار والنباتات المختلفة، هذي الفطريات بنفوق النحل صارت تنمو نمواً مضطرداً وبشكل مخيف ووجد أنها تسبب بعض الأمراض السرطانية الخطيرة، سبحان الله حشرة صغيرة حقيرة تسهم في القضاء على مسببات لأخطر الأمراض إنها فطرة التوازن في الأرض.. في صعيد مصر هجمت الفئران بكثافة على الزروع فأفسدت المحصول ما دعا السلطات هناك   إلى شن حملات منظمة لمكافحة آفة الفئران وما أن نجحوا في ذلك إلا وهاجمتهم قوافل من الثعابين هاجمت القرويين حتى على أسرة نومهم ،فبنفوق الفئران جاعت الثعابين فهي تتغذى عليها، فكان أن خرجت من أجحارها ومخابيئها بحثاً عن الغذاء.. إنها فطرة التوازن في الأرض.
لا نذهب بعيداً فثقب الأوزون وما أدراك ما ثقب الأوزون وما يسببه من احتباس حراري يهدد بذوبان الجليد وما يمكن أن يسببه هذا الذوبان من إغراق للأرض وهذا ما يقلق الدول الأوروبية ، حتى نحن في دول العالم الثالث نعاني من التغيرات المناخية وما سببته من ارتفاع لدرجات الحرارة تهدد بلداننا بالجفاف والتصحر وبالتالي شح الغذاء والأخير صار الآن شبحاً يهدد كل العالم فنقص الغذاء والمياه هي تحديات العقود القادمة ، كل ذلك بسبب ما سمي بالثورة الصناعية وتسابق الدول حول العالم لامتلاك آخر ما تم التوصل إليه في دنيا التكنولوجيا دون مراعاة للتوازن البيئي  فطرة الله في الأرض.
هنا في السودان ولأسباب النزوح إلى العاصمة ومدن السودان الكبرى، بسبب تردي الخدمات في الريف وبسبب مغريات المدنية وما جلبته لنا العولمة وبسبب لجوء رعايا دول الجوار لأسباب الحروب والمجاعات في بلدانهم ، لكل هذه الأسباب مجتمعة نشهد في السودان اختلالاً في التوازن البيئي أدى لظهور الوبائيات كالإسهالات المائية وهي نتاج لتراكم الأوساخ والنفايات والأطعمة الملوثة ،إنه سلوك البشر غير المتحضر الذي لا يتعامل مع البيئة من منظور التوازن.
حسناً فعلت وزارة البيئة الاتحادية والمجلس الأعلى للبيئة في ولاية الخرطوم بإقامة الأحزمة الخضراء حول ولاية الخرطوم وذلك لتخفيض درجات الحرارة ولوقف الزحف الصحراوي ولكن لابد لهذا المشروع من متابعة عبر خطة طويلة الأمد، حتى لا يتحول هو الآخر إلى وكر للجريمة ولتراكم النفايات ما يجعله مهدداً للبيئة لا حامياً لها ، بقليل من الجهد يمكن أن يكون هذا المشروع قبلة سياحية ومتنفساً للأسر والزائرين ، كما يمكن أن تدر بعض أشجاره المثمرة ريعاً مقدراً ..في مدينة الشارقة توجد واجهة مائية هي عبارة عن قناة مائية توجد وسطها جزيرة صناعية مزروعة بالنخيل وأشجار أخرى ، أمام هذه الجزيرة توجد نافورة ضخمة تضاء ليلاً بالإضاءة الملونة تتقاذف هذه النافورة مياهها على أنغام الموسيقى وعلى البر توجد الحدائق الغناء والكورنيش الأنيق وعلى طوله تصدح الفرق الموسيقية ويلتف الناس حول فرق الألعاب البهلوانية ،هذه الواجهة المائية صارت قبلة للسياح من كل العالم رغم إنها مصنوعة وليست طبيعية كجزيرة توتي أو مقرن النيلين في الخرطوم.
كثيرة هي المشاريع التي تحافظ على البيئة ومن ثم تحدث تغيراً حضارياً يجعل من حواضرنا قبلة للعالم ، فمشروع كالمترو الكهربي يمكن أن يحل ضائقة المواصلات في العاصمة وهو صديق للبيئة يريحنا من التلوث البيئي والسمعي لـ"الركشات" ذات الأدخنة الثقيلة والعوادم المزعجة الصوت.. مشروع بسيط كتوزيع سلال متوسطة وصغيرة لجمع القمامة حوالي الطرق وأمام المحال التجارية وغيرها .. مشروع آخر كتخطيط الطرق وسط البلد بجعل مسار للمشاة وآخر للدراجات ومسار للبصات الكبيرة ومسار للسيارات الصغيرة في كل طريق ، تخطيط  بسيط كهذا يغنينا من التداخلات العشوائية التي تحدث بين الناس والسيارات والدواب وبهذا تفكك الاختناقات المرورية التي نعاني منها يومياً وما تسببه من تلوث.
على ذكر التخطيط لماذا لا تقوم الدولة بإجراءات إسعافية للمحافظة على البيئة ، صحيح أن هناك مخططاً هيكلياً للعاصمة ولكنه طويل الأمد ويمر عبر مراحل ولكن إسعافياً يمكن نقل المصانع والأسواق من وسط المدن داخل التجمعات السكنية إلى الخارج .. المناطق الصناعية في كل العالم توجد حول المدن لا وسطها أما الأسواق فكل التجمعات السكنية صارت سوقاً ، فبالتوسع الرأسي للمباني صار السكن في الطوابق العليا أما السفلى فتخصص للمتاجر ولحوانيت تقديم الخدمات ،الآن الكل صار يتلقى خدماته ويبتاع سلعه بالقرب من مكان سكنه بل أسفل مسكنه مباشرة ، حتى تجار الجملة والشركات يتم توزيع منتوجاتهم بواسطة عربات مخصصة للمتاجر وللبيوت رأساً ، إذاً لا حاجة للأسواق بصورتها التقليدية لأنها صارت مرتعاً للأوساخ والمياه الآسنة خاصة في فصل الخريف وللاستدلال على ذلك قم بزيارة واحدة إلى السوق الشعبي في أم درمان أو"الملجة" لترى بأم عينك التلوث البيئي في أوضح صوره وبكل أشكاله القذرة.
المحافظة على البيئة وتوازنها مفهوم شامل وعمل مشترك تتضافر فيه كافة الجهود ، فهو يحتاج للتخطيط العمراني السليم والمبادرات المبتكرة ويحتاج للآليات المناسبة ويحتاج لجهود توعوية جبارة للمجتمع في كيفية المحافظة على بيئة نظيفة تخلق التوازن ، هذه التوعية والتربية تبدأ منذ مرحلة النشأة الأولى للفرد في أسرته ثم روضته ثم مدرسته حتى مرحلة التعليم الجامعي  وبذلك تنشأ أجيال تعي هذا المفهوم ويصير محدداً لسلوكياتها.
>   إعلامي وباحث