الجمعة، 20 تشرين1/أكتوير 2017

board

في ذكرى رحيل المجاهد الشيخ مبارك قسم الله زائد

د. محمد الفاتح جمعة
- لم يكن الشهيد إبراهيم شمس الدين بأسبق من شيخنا مبارك قسم الله لحاقاً بألوية القوات المسلحة ومتحركاتها ولا بكتائب المجاهدين المتراصة بنياناً فوق بنيان, بل كان الشيخ الراحل مبارك قسم الله نفساً من أنفاسهم وخطوة من خطواتهم وتكبيرة من تكبيراتهم,

فقد كان قائداً عسكرياً فذاً يعرف ببصره وبصيرته ما يحتاجونه من عدة وعتاد وزاد, وكان في الموعد في حلهم وترحالهم, ما رآه أحد في زماننا القريب يحمل كلاشاً أو أربجي ولكنه كان برقاً خاطفاً أكثر منهما سرعة في نحور أعداء الدين والعقيدة والوطن, كان الشيخ الراحل كابنه الشهيد وداعة الله يعرف أين يضع العلامة بالعربي لا بالرطانة في مكانها الصحيح, فلو كان الشهيد طيار مختار حمدين نسراً في الجو فقد كان الشيخ مبارك قسم الله ريحاً صرصراً عاتية أعمت وجوه أعداء الدين وجعلتهم  كأعجاز نخل خاوية, ولو كان طيب الذكر المجاهد (تولا) تقطعت أوصاله وما برح ثغرته منافحاً عن دين ووطن وشرف الانتماء إلى الجندية والعسكرية السودانية في أحلك ظروفها, فشيخنا مبارك قسم الله كان حارساً أميناً لعرين العقيدة والدعوة الإسلامية في وطننا السودان, فداها بروحه ودمه وعمل من أجلها طريداً ترزياً مدة وفارشاً لبضاعة غير مزجاة صابراً عليها حتى يأتيه أحد أخوانه يأخذ نصيبه من تلك البضاعة النادرة وتجول متخفياً وسط الأحياء يحمل جردلاً صغيراً ينادي زبائنه (ترمس.. ترمس.. كبكبي) يُبلغ رسالته ويوصل رسائله رغم الكبت والظلم والحصار والمطاردة التي لازمته في عهد الزعيم الراحل جعفر محمد نميري حتى خرج سائحاً في وطن الفكرة يبلغ رسالة ربه بصدق وأمانة وتجرد إلى أن اصطفاه الله عزَّ وجل مرضياً عنه بإذن الله فقد شهد له أهل الأرض ممن يعرفونه شخصياً أو ممن وجدوا رحاباً لله يأوون إليها ومساجد يصلون فيها وآبار وحفائر يشربون منها أو مراكز صحية يستشفون فيها في مجاهل أفريقيا وغيرها.
إن كانت علوم الغرب الحديثة سباقة في مجال التخطيط الاستراتيجي والتنبؤ بما يمكن أن يكون عليه المستقبل البعيد, فالراحل المقيم الشيخ مبارك قسم الله كان في خفة جن سيدنا سليمان عليه السلام أمضى سرعة من ارتداد بصر العينين عندما يستحضر لك المستقبل ويجسده أمام عينيك بقصوره المنيفة المشيدة, وكان يُعلم تلاميذه وطلابه وأبناءه وإخوانه وأحبته في الله كيف يمكن أن تكون الحياة من خلف الأفق البعيد, فهو صاحب نظرة استراتيجية فاحصة. وإن تحدث الناس عن الزهد في زماننا هذا فإن الزهد كله كان يتواضع في حضرته, وإن تحدث الناس عن الجمال والألق والوجاهة والسماحة والوسامة فلينظروا إلى صروح منظمة الدعوة الإسلامية ومؤسساتها الاقتصادية التي بناها بعون إخوانه وأخواته الخلص من أهل الدعوة, كان لا يرضى إلا بالجمال كله عنواناً يكسوها, ولو تحدث الناس عن الطرفة والمزاح وعذب النكات فقد كان شيخنا وأستاذنا الراحل مبارك قسم الله كنزاً للطرف الملاح لا تبرحه النكتة ولا الابتسامة والتي كان يصنع منها موقفاً تربوياً نبيلاً. تشتاق لمجالسته فإن قدر لك ذلك فهي أقصر مدة تغتنمها لتأخذ من لآلئه أروعها ومن فيه طيب الحديث يغسل به أحزانك ويملأ فؤادك طمأنينة وثباتاً تخرج من عنده راضياً لا تلوي على شيء إلا أن تنجز مهامك  وتجتهد غاية وسعك لإتمام تكاليفك باتقان وبأفضل ما يمكن أن تكون, وإن تحدث الناس عن عز ونسب وتفاخر به فقد كان أكثر فخراً بأنه من سيدنا بلال وأن سيدنا بلال منه رضي الله عنه وأرضاه, وإن تحدث الناس عن الحنان والرأفة والعطف والحب فإنه ورغم كل هذه الهالة التي تحيط به والجدية والشدة في الحق المعهودة فيه, فقد كان أستاذنا الراحل مبارك قسم الله أرق من حفيف النسيم وأعطف على الفقراء والمساكين من أنفسهم, ولا أنس له موقفاً في حياتي وأنا في غرفة العمليات بإحدى المستشفيات (الحكمة) يجري لي ما يجرى أفقت برهة على قطرات حرى تقطر على وجهي.. أهي دموع الشيخ؟ أم هي قطرات من عرق يتصبب من جبين هذا الشيخ العطوف من هول الموقف الذي هو فيه وهو يسند رأسي على المنضدة حتى لا أتحرك, لم يكن مرافقي المعهود ساعتها موجوداً بقربي, لكنه كان ذلك الشيخ الأب الحنون العطوف مبارك قسم الله.. متى أتى في ذلك الصبح الباكر؟ وكيف دخل غرفة العمليات بديلاً عن مرافقي؟ وكيف.. وكيف.. وكيف لكنه مبارك قسم تجده ساعة الملمات نعم القائد الذي تقع عيناه على عيني جنده وخفره وحراس مهامه وحملة تكاليفه, وهو في المسرات والأفراح ذو سهم لا يجارى وهو في الاتراح وساعة الأوجاع والآلام والحزن الدفين رغم مسؤولياته ومهامه الجسام وزيراً ليس ككل الوزراء وقائداً ليس ككل القادة ومربياً ليس ككل المربين وقوياً صنديداً شديداً في الحق ليس ككل الأقوياء ومحاسباً لاذعاً في غير فظاظة أو استحقار, فإنه ينزل كل إنسان منزلته.
وإني في هذه الذكرى الأليمة أرفع شهادة مستحقة لشيخنا الراحل مبارك قسم الله قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) البقرة الآية (143). وقال تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس) سورة الحج (78). وقال تعالى: (يوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء) سورة النمل (89). هذا الوجوب على الأحياء أن يذكروا محاسن موتاهم فأنا شاهد على بعض قليل من عصر حضارة الفقيد الراحل الشيخ مبارك قسم الله زايد, فإن كان للشهيد فضل السيد أبو قصيصة سبق فكرة تفويج كتائب النور من المعلمين والمعلمات أصحاب الرسالة الخلص إلى مدن وقرى جنوب السودان المنزوع جنباً إلى جنب مع متحركات قوات الشعب المسلحة وكتائب المجاهدين ليرسوا دعائم السلام والأمن الاجتماعي لتبديل نمط الحياة العسكرية في تلك القرى والمدن التي حررتها قوات الشعب المسلحة من قبضة المتمردين آنذاك إلى حياة مدنية تُفتح فيها المدارس وتقام فيها الأسواق وطواحين الغلال يجد فيها المواطن الأمن من ويلات الحرب كل حاجاته الضرورية, فقد شكل الشيخ الراحل مبارك قسم الله مع الشهيد عبد السلام سليمان والشهيد أحمد الرضي جابر المحاضن الآمنة لمشروع كتائب النور الذي بسط الخير وانتشل أجيالاً من وهاد الأمية والفاقة ونقلهم إلى رحاب العلم والتعلم والمعرفة وتجني دولة جنوب السودان الحديثة ثمار ذلك المشروع أطباء واختصاصيين ومهندسين وضباط إداريين ومهنيين كثر وقادة مجتمع وقادة عسكريين ولله الحمد والمنة . كان الشيخ مبارك قسم الله يرى في التصاهر والتزاوج والتمازج وامتداد الأنساب لكل مكونات المجتمع السوداني شماله وشرقه ووسطه وغربه مع جنوب السودان هو أمضى الحلول لاعادة ترتيب دولة السودان المركبة وصهرها في بوتقة واحدة يكون الدين والأخلاق وكريم العادات والمعتقدات ضمانة للتوحد والقوة لشعب السودان الموحد.
لم يكن الشيخ الراحل مبارك قسم الله زايد شخصية قُطرية محدودة بنقاط ترسيم الحدود بين الدول بل كان وطنه الفكرة أينما حلت, وما ذكر شيخنا إلا وذكر محمد عبد الله جاد النبي الرجل القامة (وشيال التقيلة) فهو كتاب لم يفتح بعد, فقد عشق الزعيم محمد عبد الله جار النبي الفكرة وانطوى عليها وأنفق في سبيل احيائها ما لا يصدقه بشر بلا منَّ ولا أذى فابتلاه الله بجحود وانكار المنكرين وكيد الحاسدين والباغضين فقد أوى شيخنا مبارك قسم الله الذي كان طريداً شريداً مضيقاً عليه في وطنه الأم لتكون دولة يوغندا الشقيقة هي ملاذه ومستقره فأصبح الشيخ مبارك الساعد الأيمن لرجل البر والاحسان محمد عبد الله جار النبي فصدق معه صدقه المعهود, ففتح الله له أبواباً للدعوة لله في مجاهل أفريقيا الشرقية والتي لم تنسد أبوابها حتى بعد رحيله للدار الآخرة, كان رمزاً للداعية المتجرد لله وحده فكان حضوراً بوشائجه الأخوية وأعمال البر والإحسان التي تتمدد عطاؤها في كينيا وتنزانيا وموزمبيق وجزر القمر ورواندا وبورندي وجنوب أفريقيا رسلاً من مدرسته المتفردة عمروا تلك البقاع وزينوها بحسن الخصال وحملوا مشاعل الهداية أضاءوا بها قلوباً وأناروا بها ظلمات, فما من مسلم يوغندي رفيع المقام تبوأ منصباً رفيعاً أو له صيت في مجال الدعوة الإسلامية إلا وكان سهماً من كنانته ثم تمدد الشيخ مبارك غرباً يشتل للدعوة الإسلامية غراساً أينعت ثمارها في أفريقيا الوسطى وتشاد الشقيقة والكمرون وفي دول الغرب الأفريقي في النيجر ونيجيريا ومالي وكان صديقاً وأخاً حميماً لعلمائها وفقهائها وأهل الدعوة فيها, وجابت جحافله دول القرن الأفريقي في جيبوتي والصومال وإريتريا وإثيوبيا وبني شنقول في مجال الدعوة الإسلامية, فتح للطلاب والشباب المسلم من تلك الدول وغيرها منحاً دراسية في التعليم العام وفي التعليم العالي في المركز الإسلامي الأفريقي وجامعة أفريقيا العالمية ورعى المبرزين منهم فعادوا إلى أوطانهم حملة لدرجات الماجستير والدكتوراه وقادة في المنابر وسط أهليهم, وكان شيخنا مبارك قسم الله "رجل خير وبركة" وصاحب رأي ومشورة لدى قادة حرب التحرير الافغانية وكان بلسماً شافياً يواسي الجرحى ويخفف عن المرضى آلامهم ويعين المعاقين والمشردين الذين فتكت بهم حرب الاستئصال الديني والعقدي في البوسنة والهرسك وكان له في ألبانيا حضوراً لأفضل قادته المميزين من الدعاة أصحاب الشجاعة والجرأة والثقافة العالية, لقد قدم مبعوثو الشيخ مبارك قسم الله في فجاج الأرض الدعوة الإسلامية للمريدين المهتدين في أطباق من ذهب وفضة.
واليوم تستضيف جامعة أفريقيا العالمية طلاباً دعاة من هضبة التبت وكازاخستان واوزبكستان والشيشان ومن تايلاند ومن بورما الجريحة المسكوت فيها عن سحل المسلمين وصغارهم كم من صبرا؟ وكم من شاتيلا؟ وتقام لمسلمي بورما مقاتل أمام نظر لجان حقوق الإنسان ومؤسساتها الدولية, كثير من مستضعفي مسلمي جنوب شرقي آسيا يتعلمون في السودان لغة القرآن الكريم ويحفظونه ويتعلمون علومه ليتخرجوا دعاة لدين الله عزَّ وجل بين أهلهم في أوطانهم.
مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي, وأستاذ الأجيال والمربي العلامة الشيخ مبارك قسم الله زايد مضى وقلوبنا مرهونة عنده, لله درك... لا الكلمات توفي حقه ولا الدمعات تشفي سقم رحيله, خواطر تداعب ذكراك بعنف في ذكرى رحيلك العشرين فقد جسدك سُنة الحياة ولأجساد الصالحين مهابة في الأرض لا تحللها ولا تأكل دوابها أجسادهم بوعد المصطفى صلى الله عليه وسلم ونحسبه صالحاً عند الله الذي وفقه على فعل الطاعات والخيرات والعمل الصالح, روحك ترفرف في عوالمنا تنبئك كيف أننا قد ضيعنا الأمانة وفرطنا فيها وتمزقنا إرباً إرباً, وما أمسكنا بتلابيب العهود والمواثيق فسلط الله علينا الدنيا وتنافسنا فيها حتى صرنا كما ترانا لا نهدر في شوارع الخرطوم مزمجرين لسوء مس المسجد الأقصى ولمنع رفع الآذان وتقتيل المصلين فيه إن اليهود يلعبون في ساحاته البنق بونق وتمشي ذليلات الأرض عاريات في ردهاته والخرطوم نائمة نوم أهل القبور, ولا نحن انتفضنا شيخنا نغسل ما أصابها من درن ونستغفر الله ونتوب ولا نملك قوة نقدر أن نهش بها ذباباً تكدس وغطى كبد الحقيقة ولا صرنا ننكر باطلاً تزمل وتدثر فحجب الرؤية عن مشروعنا الحضاري الذي كنت أحد أعمدته وركائزه شامخاً كالطود الأشم.
إننا أبناؤك وطلابك وتلاميذك وجنودك الباقون على العهد والميثاق نبكيك في ذكرى رحيلك العشرين غير مغيرين ولا مبدلين إن شاء الله. ولا نقول إلا ما يرضي الله ورسوله: (إنا لله وإنا إليه راجعون). ولا حول ولا قوة إلا الله العلي العظيم, اللهم أجرنا في مصيبتنا وأبدلنا خيراً وإنا لفراقك يا شيخنا مبارك قسم الله لمحزونون.

الأعمدة

محمد عبدالماجد

الخميس، 19 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الخميس، 19 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الخميس، 19 تشرين1/أكتوير 2017

د. حسن التجاني

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

خالد كسلا

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017

إسحق فضل الله

الأربعاء، 18 تشرين1/أكتوير 2017