الأحد، 17 كانون1/ديسمبر 2017

board

الدفاع الشعبي منظومة التحريض لإصلاح الخدمة المدنية

د. محمد الفاتح جمعة
يموت الإنسان في اليوم أكثر من مرة قال تعالى: "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" سورة الزمر الآية (44).

ويقول صلى الله عليه وسلم في دعائه عندما يستيقظ من نومه: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور), فحقيقة الموت للأحياء قائمة, وحقيقة موت الأشياء قائمة أيضاً, فالأمم تموت مرة ومرات, وتموت دواب تحت الأرض وتتيبس أوصالها, وتموت الأشجار واقفة أغصاناً بلا أوراق, وتموت الأرض وتتشقق عطشاً لكنها تحيا من جديد بعد أن تتهيأ لها الأسباب قال تعالى: "وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج" سورة الحج الآية (5). بذور وحشائش تموت وما أن تهطل الأمطار تنبت وتزهر وتضحك براعمها حامدة شاكرة لله حسن الرجوع في الميعاد, يطل الخريف وتمتلئ البرك وتغرق الحيشان وتصبح الشوارع مخاضات ففي تلك الأجواء الخريفية تحي أموات تحت الأرض تخرج من ثباتها وبياتها تجري الدماء في عروقها وتتحرك الأنفاس بين مساماتها فتسمع للضفادع تسبيحاً من مغيب الشمس حتى طلوع الفجر في تناغم من بعضها بلا انقطاع حامدة شاكرة لله أنعمه عليها حياة من بعد الممات لا تقنط من رحمة الله ولا تستعجل القيام, فراشات سابحات في الفضاء تحوم حول الكهارب فرحى في ليالي المطر حتى يراها الناس ليتفكروا ويتدبروا صنع الخالق عزَّ وجلَّ وحكمته من إجراء الموت والحياة على مخلوقاته كلها أقدار الله يجريها بقدر, فلا يأس ولا قنوط فإن الله قادر على إحياء الخدمة المدنية بعد احتضارها ومماتها فإذا ما هب نسام ودعاش ورشاش الدفاع الشعبي على جنازة الخدمة المدنية فحتماً وبإذن الله يوماً ستهتز وتربو خيراً وبركة على هذا السودان الحبيب.
هذا الطائر العملاق الذي استكان سكينة السنين الكونية جاء اليوم يصفق بكلتا جناحيه في فضاءات الخدمة المدنية ويجدد ريشه لمسير طويل ينتظره, فهو يحدق ببصره على الداء العضال الذي أصاب جسد الأمة السودانية ففتك بها وأعياها وأقعدها عن المسير والانطلاق, كل الأطباء يرون المريض ويعرفون علته ولكن لم يجرؤ واحداً منهم أن يضع مشرطه لاستئصال عجز الخدمة المدنية في وطني.
إن الأمة السودانية صاحبة حضارة تليدة ضاربة جذورها في القدم قدم الإنسان وجوداً في الكون, أمة أتاها من رسول الله عز وجل ما أتاها حتى استقامت وعمرت الأرض أهرامات ما زالوا يخمنون لها زمان النشأة ومرت شوامخ تحت الأرض تطلب منا التواصل, حمامات وبانيوهات لم ترضِ ملكة الملوك النوبية في زمانها إلا أن تضع على عينها, مصاهر للحديد ومناجم للذهب كانت سبباً أن تجثوا الأمم المستعمرة الباغية على السودان وأن تطأ بأقدامها على ذلك الخير والنعيم المقيم, تلك الأمم السودانية الغابرة لم يبنيها الملوك وحدهم، بل كانت لهم جيوش جرارة من العلماء والشغيلة ونظام محكم وخدمة مدنية هي الأصل في تحريك المجتمع المدني الذي يصنع الحضارة والمجد لنفسه ويمكن لسلطة الحكم قرناً من بعد قرن بلا انقطاع, فالتاريخ لم يسمي لنا أو يذكر أفراداً أو رموزاً لتلك الخدمة المدنية لأنها كانت نظاماً مترابطاً يسند بعضه بعضاً فتشكلت قواه الجمعية في إرادة واحدة يؤدي كل فرد فيها وظيفته في عدالة ومساواة لا يتقدم أحد فيها على الآخر إلا بحسن الانجاز ووافر العطاء وبقيمته المضافة في الناتج الكلي, غفل الناس عن ذلك التاريخ وأصبحوا يتباكون عن خدمة مدنية ورثناها من المستعمر الإنجليزي دقة في المواعيد واحترام المرؤوس للرئيس وهمة عالية وجودة في الأداء حتى أن الخطاب كان يحمله لك ساعي البريد إلى باب منزلك فعلوا كل ذلك فهو عمل جميل وأجادوا وأبدعوا بالقدر الذي سخروا فيه الخدمة المدنية السودانية لتحقيق أهدافهم الاستعمارية فنهبوا عبرها من خيرات البلاد ما نهبوا رغم كل ذلك الإبداع وحسن التنسيب لأفراد الخدمة المدنية إلا أن الإنجليز لم يحققوا للخدمة المدنية عناصر قوامتها القيمية وهما العدل والمساواة فجعلوا جبال الإنقسنا بأهلها وجبال النوبة بأهلها نهباً للجهل وما كانوا فقراء, فأغمضوا أعينهم عن إبصار التمدن والتحضر وأغلقوا على إنسان تلك المناطق منابع العلم والتعلم وهما أساس الاختيار والتوظيف والتدرج في درج الخدمة المدنية وحصروهم في وضيع الأعمال حرمان من بعد حرمان, مناطق مقفولة بالقانون عن ضوء المعرفة والعلم والتمدن وأورثوها بحالها لمن قاد الخدمة المدنية من العهود الوطنية من بعد الاستقلال, وتركوا جنوب السودان القديم على حاله معزولاً مقطوع إنسانه حتى صيروه دوله ممزقة يقتل أبناؤها بعضه مبعضاً, لذا فلا داعي للتباكي على تجربة الخدمة المدنية الإنجليزية الاستعمارية فهي تجربة منقوصة.
لكن المؤمن كيِّس فطن الحكمة ضالته يدور أينما دارت الحقيقة يقطف من رياضها أطيب أزاهرها يزين بها أصائص جدران منزله, فكذا المعرفة الإنسانية حق مشاع للجميع علينا أن نختار أفضلها وأحدثها وأكثرها عدالة يجزي فيها الراتب مؤنة عاملها وموظفها. فها هو الدفاع الشعبي أحسبه أفضل منظومة تحريضية لإصلاح الخدمة المدنية في بلادنا, فهو نافذة نحو جنان الأرض وبوابات العروج إلى السموات العلا يسارع المرء الخطى لبلوغها في ثبات ويقين. فقد أفاق من بعد سكون وبيات تعاقب عليه شتاء من بعد شتاء, خرج يعلن عن نفسه يخبر عن حدث الساعة أن هلموا أيها القوم لإصلاح حال الخدمة المدنية, صرخة في وادي الصمت لكن صداها يجلجل في أفئدة المجاهدين يتعاملون مع رجعها بقوة وانضباط ويعرفون أن التراخي في أمرها ضياع لمن خلفهم من الأمة. فلهذا التنادي والاتمار من أجل إصلاح الخدمة المدنية له طعم ولون ورائحة ففيه اجترار لذكريات الماضي كيف كان استاد الخدمة المدنية لمشروع السودان الحضاري, لم يكن زاداً للمجاهد ولا جمعاً لقنطار من الذهب ولا مال مستقطع برضاً من راتب عامل الخدمة المدنية الضعيف للنصرة والجهاد, فقد كان أغلى من ذلك بكثير دماءً ذكية فاضت جاد بها بناة الخدمة المدنية الحقه من رجال ونساء وشيب وشباب وما أغلاها من دماء.
جاء أنصار الخدمة المدنية من منسوبي الدفاع الشعبي يأتمرون لينظروا في حاضر احتضار الخدمة المدنية وبوارها ليستشرفوا لها مستقبلاً, يحملون مشارطهم الحادة السنان لاستئصال أورامها الخبيثة ليجتثوها من منابتها سلوكيات وممارسات (تعفنت) جروحها وسال قيحها فسدت الأصابع الأنوف من كريه روائحها, أن تأتي أيها الدفاع الشعبي متأخراً خيراً مما لا تأتي فمرحباً بك, فقد جاء حضورك أيها الدفاع الشعبي في الزمان الصحيح والدولة تبحث لها عن مخرج آمن لإصلاح الخدمة المدنية وعن آلية يجدد بها المرء ولائه لله عز وجل بفهم الدين الصحيح, فإن إعادة بناء الخدمة المدنية وإصلاح اعوجاجها ليس بالقوانين واللوائح وتعديلها كل حين بل يبدأ الإصلاح بإصلاح الإنسان فرد الخدمة المدنية وقاعدة أسرتها أولاً لتصطف كتائب الخدمة المدنية بفهم جديد ومنهج جديد وعلم جديد وفكر متجدد أساسه طاعة الله عز وجل ومن بعده طاعة أمير الخدمة المدنية في الموقع.
قد يتغير الأفراد ويتغير سلوكهم للأسوأ ويضعف دينهم وتدينهم ويطغوا ويستبدوا بالسلطة وقوتها ويستمرئون الانحراف في السلوك ومنهج الممارسة والتطبيق, غير أن هذا ليس مدعاة لتصوب السهام نحو الدين الإسلامي ويحكم الناكرون لحاكميته بعجزه عن تقديم الحلول لمعالجته للمعضلات المعاصرة وقدحاً في أهليته لتنظيم حياة المجتمع عطفاً على ذلك الاخفاق البشري في التجربة والتطبيق فالتحدي الماثل فلو انتكس البعض فما هو دور الآخرين في تقديم النموذج لإعادة أحكام أمر الله على العباد. فها هو الدفاع الشعبي يقدم كتابه بيمينه بين أيدي الأمة السودانية التي خبرته وعرفته ساعة الشدة والضيق, فهو الذي أخرج كتائب الخدمة المدنية كتيبة إثر كتيبة منذ طلائع كتائب النور في مطلع تسعينات القرن الماضي تبعتها كتائب الخضراء وكتائب الفاروق وكتائب نسيبة كلها كتائب خدمة مدنية قوامها علماء ومهنيين ومعلمين وفنيين وعمال وموظفين جنباً إلى جنب, صحائف بيضاء من غير سوء قدمت كل الخير وزرعت الطمأنينة في قلوب الخائفين وآمنت روعهم وبنت للخدمة المدنية صروحاً رغم جراحات الحرب والداء الدولي.
إن قيام المؤتمر العام الأول للخدمة المدنية في حضن الدفاع الشعبي أول الإصلاح, فالمنسقية العامة للدفاع الشعبي ولإدارة الإسناد المدني والخدمة المدنية عصب وروح هذا الكيان الروحي المتفرد ألف تحية, فسيروا في مسيرة التقويم والقوامة لعهد جديد تجدوا مؤتمركم الأول أرواح الشهداء الذين مضوا إلى الله لا مغيرين ولا مبدلين, وفي الأفق أشلاء الجرحى الذين تقدمتهم أوصالهم تذكرة وعبرة للحاضرين, وروايش سكنت الرؤوس ذهبت جراحاتها بالعقول وشلل الأعضاء, كلها خسائر وشهادات تذكر الغافلين, فمرحباً بوفود رماة الحرق من ولايات السودان الحبيب في عاصمة الانطلاق والتغيير, والتحية للقائمين على إعداد وتنظيم وإخراج باكورة المؤتمرات فهو بريق مضيء في حالك الظلمة وواقع المأساة. وليكن المؤتمر العام الأول للخدمة المدنية في الدفاع الشعبي مطر غزير لإحياء موات الخدمة المدنية السودانية وتعزيزاً لدور المجتمع المدني في سلامة وسلم وأمن هذا الوطن الحبيب.

الأعمدة

الصادق الرزيقي

السبت، 16 كانون1/ديسمبر 2017

كمال عوض

السبت، 16 كانون1/ديسمبر 2017

بابكر سلك

الجمعة، 15 كانون1/ديسمبر 2017

د. عارف الركابي

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

خالد كسلا

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

بابكر سلك

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

عبدالمحمود الكرنكي

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017

محمد عبدالماجد

الخميس، 14 كانون1/ديسمبر 2017