السبت، 23 أيلول/سبتمبر 2017

board

رؤية.. بروفيسور عبده مختـار

مروءة شعبية ومروءة رسمية
مَـن أراد أن يعرف أن العاصمة الخرطوم لحمها وسداها من الولايات، عليه متابعة أرتال البصات ومختلف السيارات المغادرة لها قبيل العيد – عند مداخل/مخارج المدينة المختلفة.

كنت ضمن الذين غادروا العاصمة (ومعي أسرتي) لقضاء فترة العيد مع الأهل في ربوع شمال كردفان (أم روابة والأبيض) حتى نربط الجيل الجديد بالجذور ويتعرفوا على أهلهم, وفي الأمر أيضا صلة رحم وراحة واستجمام في جو خريفي بديع. وبالفعل أعجبتهم البلد وأسرتهم حميمية الأهل، وعندما أردنا العودة بكت الصغيرة وأضرب الكبار عن الطعام فاضطررتُ لتأجيل رحلة العودة ليوم آخر هناك (مكتول هواك يا كردفان).
قبل يومين من العيد التقيتُ بصديقنا الخلوق الأستاذ محمد حامد البلة (والي نهر النيل السابق) والسياسي والدستوري المعروف. وقد كان لقاؤنا في إطار إشرافي على بحثه في الدراسات العليا. وعندما علم مني أني مسافر ومعي أولادي بعربيتي الصغيرة (تريوس) أبت نفسه إلا أن يكرمني بعربته اللاندكروزر (أوتوماتيك) كي استغلها في رحلتي ففيها متسع للأولاد.
لكن شاءت الأقدار أن تتعطل العربة بعد الدويم. تسير فترة ثم تتوقف.. إلى أن وصلنا بالقرب من مدينة ربك في كوبري مقابل لمصنع سكر عسلاية. وكانت المشكلة في توقفها في الكوبري العالي، والخطورة (مع ضيق الأسفلت) تتمثل في ما لو وصلت عربتان في الاتجاه المعاكس في نفس اللحظة، وليس لي (عاكس) لوضعه خلف العربة لتنبيه أية عربة مندفعة إلى أعلى الكوبري. ومن حسن الحظ أن حركة المرور كانت في ثاني أيام العيد خفيفة. وفجأة ظهرت المروءة السودانية عندما توقفت عربتان في نفس الوقت: إحداهما شاحنة (قاطرة بدون مقطورة) بها شخص واحد هو السائق. وفي ذات لحظة نزوله توقف بوكس (دبل كاب) ونزل منه شابان. بعد تبادل التحايا تشاور ثلاثتهم في كيفية سحب العربة من أعلى الكوبري لكنهم لم يجدوا (جنزير)، فعملوا على دفعها يدوياً (دفرة) حتى تم إنزالها من الكوبري الحاد الارتفاع. شكرتهم وواصلوا رحلتهم (وكانت تلك مروءة شعبية). ثم بعد أن بردت الماكينة عمل المحرك وتحركنا لمسافة جعلتنا على مشارف مدينة ربك حيث توقفت العربة للمرة الرابعة أو الخامسة. طلبتُ من أسرتي النزول إلى حيث الأشجار ليستظلوا بها لحين التفكير في حل.
اتصلتُ على الأستاذ (ود البلة)، فقال لي دعني اتصل على معتمد كوستي وعلى والي النيل الأبيض. فاتصل على الأستاذ الجزولي هاشم الجزولي معتمد كوستي (ونحن نعرف بعض)، واتصل على الدكتور عبد الحميد موسى كاشا. هاتفني الجزولي، وبعد مدة قصيرة جدا وصلنا بوكس دبل كاب ونزل منه شاب قال لنا عندي تعليمات من الوالي بإيصال أسرة البروف لمدينة أم روابة (وتلك مروءة رسمية). كانت قمة الاطمئنان أن الأسرة وصلت بسلام لمحطتنا الأولى (أم روابة). ثم استقليت العربة لوحدي، وكما يقول السائقون (سارقتها سارقتها) إلى أن وصلت بها مدينة كوستي. هناك ساعدني ابن أخ ود البلة (عثمان صديق) في إيجاد فني (كهربائي سيارات). لكن حلّ الظلام وأرعدت السماء فأكرمني بالمبيت معه في بيته. وفي ظهر اليوم التالي (ثالث أيام العيد) غادرتُ كوستي بعد أن تم تركيب (قلب طلمبة).
لكن ظهرت لي مشكلة أخرى وهي أن ماء العربة يكمل بسرعة بسبب وجود تسريب من خزان المياه في الماكينة (radiator). وعندما توقفت لمراجعة الماء في مدينة تندلتي توقف شاب وجيه يقود عربة هايلوكس (بوكس). بادلني المعايدة وسألني عن المشكلة. فرجع لعربته وجاء بـ (لحام بارد) وعالج الأمر وتوقف تسريب المياه (وتلك كانت مروءة شعبية ثانية). كان الشاب من حي بُـري بالخرطوم ولكنه يعمل مديراً لمكتب طيران نوفا في مدينة الأبيض، فله الشكر. فارتاحت الماكينة واستمتعتُ بقيادة وسط الطقس الغائم والخضرة والماء (لكن الوجه الحسن سبقني قدام).
بعد ليلتين في أم روابة, واصلنا رحلتنا تجاه مدينة الأبيض/ عروس الرمال (وللذين لا يعرفون جغرافية تلك المنطقة: كوستي منتصف الطريق بين الخرطوم والأبيض. وأم روابة منتصف الطريق بين كوستي والأبيض، وتندلتي منتصف الطريق بين كوستي وأم روابة، والرهد منتصف الطريق بين أم روابة والأبيض). وقبل وصولنا لمدينة الرهد ببضعة كيلو مترات توقفت العربة مرة أخرى بالمشكلة ذاتها (يبدو أن الطلمبة لم تناسب الماكينة). وهنا استنجدتُ بصديقنا مولانا أحمد محمد هارون والي ولاية شمال كردفان. وطلب مني تحديد الموقع، فاتصل بمعتمد الرهد (يس محمود) الذي أرسل لنا عربته بسائقها الذي أوصلنا لمدينة الأبيض، وتولى أمر العربة المعطوبة (وكانت تلك مروءة ثالثة).
ثم كانت عودتنا عن طريق أم روابة أيضا باستقلال تاكسي من الأبيض. وهناك في أم روابة لم يتركني سعادة ود البلة للعودة بالمواصلات العامة. فاتصل هو هذه المرة بمولانا هارون (الذي نأسف لإزعاجه وهو كان يرأس مجلس وزراء حكومة ولايته). فاستجاب مشكوراً. حيث اتصل علينا المقدم كرتم مدير مراسم ولاية شمال كردفان وأرسل لنا عربة فارهة أوصلتنا للخرطوم حيث صلينا الجمعة في مسجد الحي. تلك كانت مروءة رابعة.. وهكذا تمت رحلتنا على مراحل اعتمدت على مروءة – بل "نفير" شارك فيه (قائد النفير). فلهم جميعاً كل الشكر والتقديـر.. وإن كان من كلمة شاملة يمكن القول: إذا أنت في السودان فأنت في أمان وسط الأهل والحبان، ودامت القيم السودانية الجميلة، وكل عام والجميع بخير, والسودان متماسك بالتكافل وممسكاً بهذه القيم الفريدة.