السبت، 23 أيلول/سبتمبر 2017

board

جبل الجليد والحاجز النفسي بين السودان وإسرائيل !!

صديق البادي
أعلن السيد مبارك المهدي, رأياً يخصه هو شخصياً ولا يخص أحداً سواه, وأورد عرضاً كلمات موجزة عبر فيها عن رؤيته بضرورة مد جسور الوصل والتفاوض مع إسرائيل.

وجاءت هذه الكلمات المرتجلة العابرة ضمن لقاء طويل تطرق لمواضيع كثيرة امتد لعدة حلقات أجراه معه الأستاذ الطاهر حسن التوم مدير قناة سودانية 24 وسبقه في ذات المنحنى آخرون منهم بروفيسور إبراهيم غندور وزير الخارجية ودكتور يوسف الكودة والسيد كرم الله عباس .ولكن كلمات مبارك أقامت الدنيا ولم تقعدها وأثارت جدلاً واسعاً ومرد ذلك حساسية الموضوع والطريقة المثيرة التي طرحه بها دون مبالاة لما يمكن أن تحدثه من ردود فعل . وفي تسعينيات القرن الماضي أخذ البعض يكثرون الحديث عن الديانة الإبراهيمية والرابط بين الإسلام والمسيحية واليهودية. وعندما كان دكتور مصطفى عثمان إسماعيل أميناً عاماً لمجلس الصداقة الشعبية العالمية ومن المقربين لدكتور حسن الترابي رحمه الله وأهل الثقة والخصوصية عنده عندما كان مرشداً وعراباً للإنقاذ في عشريتها الأولى, أقام مجلس الصداقة الشعبية صلوات فيها دعاء اشترك فيها مسلمون وقساوسة مسيحيون وحاخامات يهود, وسبق ذلك زيارة بابا الفاتيكان للسودان وأخذ يدور حديث عن ضرورة حوار الأديان وحوار الحضارات ولعل ذلك كان تمهيداً لهدف لم يتحقق لانقطاع ذلك المشروع في منتصف الطريق ولا أحد يدري كيف ستكون نهاياته ومآلاته لو استمر !!.
وان إسرائيل أُعلنت كدولة في عام 1948م وسبقها تخطيط لقيامها في سرية وصمت وتنفيذ صرفت فيه أموال ضخمة طائلة وتم شراء الأراضي من الفلسطينيين السكان الأصليين وتسجيلها بأسماء من اشتروها وبعد أن آلت لهم ملكيتها ملكية عين وليست ملكية منفعة بدأت هجرتهم تترى بغية الاستقرار النهائي فيها وتم هذا بخدعة يهودية ماكرة خبيثة وغفلة فلسطينية بريئة . وفي كتاب إسرائيليات ذكر الأستاذ أحمد بهاء الدين أن اليهود كانوا مشتتين ويعيشون في دول عديدة ولذلك أخذ كل منهم ثقافة ولغة وعادات وتقاليد الدولة والبيئة التي نشأ فيها كل منهم ولكن القاسم المشترك بينهم هو اللغة العبرية التي أضحت اللغة الرئيسة لدولتهم والذي وحد مشاعرهم هو إحساس كل منهم بالتشرد وعدم الانتماء الأصيل للبلد الذي كان يعيش فيه ولذلك سعوا لإقامة دولة تجمعهم . ومنذ اتفاقية وعد بلفور أخذوا يعملون لتحقيق هذه الغاية . وان الذين كانوا يقومون بعملية التنسيق بينهم لإنجاز هذه المهمة وجمع الأموال لها ورسم الخطط لتنفيذها اقترحوا عدة مناطق لإقامة دولتهم فيها ومن بين تلك المقترحات إقامتها في شرق أو أواسط أفريقيا في أراضي بيوغندا وما جاورها ووقع اختيارهم أخيراً على دولة فلسطين وبدأوا في تنفيذ مخططهم بشراء الأراضي من السكان الأصليين, ولذلك فإن قولهم بأن الدولة التي أقاموها في فلسطين تمثل لهم أرض الميعاد كما ورد بالتوراة على حد زعمهم هو قول هراء يدحضه أنهم فكروا قبلها في إقامة دولتهم في أفريقيا أو في غيرها .
وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل وعلى رأسها رئيسهم المؤسس بن غورين أثار ذلك ثائرة العرب وأعلنوا عزمهم على تحريرها رغم أنه لم يتم غزوها واستعمارها ويمكن للمستعمر بالنضال أن يخرج في يوم من الأيام ولكن الأسرائيليين ظلوا يرددون أنهم يقيمون في أرض اشتروها وأضحت ملكهم أي أنهم أصبحوا ( كدجاجة الخلاء التي طردت دجاجة البيت !) وسعت بعض الفرق العسكرية التي ضمت متطوعين من عدد من الأقطار العربية للتجمع والتصدي لإسرائيل لتحرير فلسطين ومن السودانيين المتطوعين الذين اشتركوا في تلك الحملة السيد زاهر سرور الساداتي ومنهم الشيخ شوقي الأسد ناظر مدرسة الموردة الأولية وكان دافعه دينياً للذود عن حياض المسلمين وهو أساساً مبشر إسلامي اعتنق الإسلام على يديه الطاهرتين الكثيرون من وثنيين وغيرهم ..... وفي مراحل لاحقة ذهب آخرون كأفراد للانخراط في معسكرات الفلسطينيين والتدريب العسكري والجهاد معهم ومنهم على سبيل المثال الأستاذ محمد صالح عمر وهو من قيادات الإخوان المسلمين وكان ممثلاً لجبهة الميثاق الإسلامي في حكومة أكتوبر الأولى وشغل فيها موقع وزير الثروة الحيوانية ,وكان محاضراً بكلية الشريعة بجامعة الخرطوم .وفي أبريل عام 1969م انضم لتلك المعسكرات يدفعه لذلك سعيه لتحرير فلسطين والدفاع عن المقدسات الإسلامية .
ومنذ إعلان قيام دولة إسرائيل في عام 1948م وجدت دعماً مادياً ومعنوياً وعسكرياً متصلاً لم ينقطع من أمريكا ومن الدول الغربية وإن لليهود في تلك الدول لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية نفوذا كبيرا في دنيا المال والأعمال والإعلام ولهم لوبيات ومراكز ضغط قوية ومؤثرة . وسعت دولة إسرائيل منذ البداية لإقامة ترسانة عسكرية وتولي جيشها اهتماماً كبيراً لأنها تدرك أنها تقع جغرافياً في محيط من العداء الملتف حولها . وفي العالم العربي اعتبرت إسرائيل دولة عدوة لدودة وكان الرئيس جمال عبد الناصر يتحاشى ذكر اسم إسرائيل ويكتفي بوصفها بدويلة العدو ,وكان عبر إعلامه وبوقه أحمد سعيد يتوعدها بأن يرميها في البحر . وعندما اقترح الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة في خمسينيات القرن الماضي التفاوض مع إسرائيل وصفه عبد الناصر بأنه مجنون . وفي عام 1967م حلت بالعرب نكسة أو بالأحرى هزيمة يونيو واحتلت إسرائيل جزءًا من الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية واحتلت شبه جزيرة سينا والجولان بسوريا وكتب الشاعر نزار قباني في تلك الأيام قصيدته الشهيرة هوامش على دفتر النكسة . وعقد بالخرطوم مؤتمر القمة العربي الشهير وهو أنجح مؤتمر قمه شهده العالم العربي ويعتبر مفخرة للسودان وغرة في جبينه وتمت مصالحة شهيرة بين الملك فيصل وبين الرئيس عبد الناصر في بيت الأستاذ محمد أحمد المحجوب بنمرة 2 بالخرطوم ودعمت الدول العربية النفطية دول المواجهة دعماً مادياً سخياً . وأعلنت لاحقاً مبادرات حول الأراضي المحتلة في إطار مساعي للحل الشامل مثل مبادرة روجرز وزير الخارجية الأمريكي وقتئذ ولم يكتب لها النجاح . وفي شهر رمضان المعظم الموافق شهر أكتوبر عام 1973م فاجأت مصر على عهد الرئيس السادات ضرب وتدمير خط بارليف وقاد سلاح الطيران المصري حملة ناجحة وحلق في الأجواء الإسرائيلية وكان هذا نصراً معنوياً كبيراً لمصر والعرب ونصراً عسكرياً جزئياً فيه رد للإعتبار والكرامة, وأعلن السادات إيقاف الحرب والمواجهة العسكرية لأن أمريكا قطعاً ستتدخل وتحسم الأمر لصالح إسرائيل . ويجدر بالذكر أن الرؤساء الأفارقة أعلنوا مقاطعتهم لإسرائيل ووقوفهم مع العرب في تلك الأيام باستثناء دكتور بانده رئيس ملاوي الذي أعلن وقوفه مع إسرائيل , وفي أعقاب تلك الحرب أطلت حرب اقتصادية سلاحها النفط وفي الجانب الآخر رفعت الدول الغربية الصناعية أسعار منتجاتها وذلك موضوع طويل ورفع الملك فيصل راية التحدي وأعلن الملك الباسل أنه سيجاهد حتي يصلي في القدس الشريف ولذلك دبروا مكيدة كانوا هم المخططون لها لاغتيال الملك الباسل الشهيد فيصل بن عبد العزيز آل سعود ... وفي عام 1979م فاجأ الرئيس السادات العالم بزيارته الشهيرة لإسرائيل ومخاطبته للكنيست بالعاصمة تل أبيب وبدأ عملية التطبيع مع إسرائيل ومهد السادات لذلك بالعزف على أوتار عاطفية معلناً أن المصريين ظلوا في وجه المدفع وضحوا بما فيه الكفاية على حساب أمنهم الغذائي ومعيشتهم . وتبادل الطرفان المصري والإسرائيلي الزيارات على مستوى القيادات الإعلامية والصحفية والشعبية وصحب ذلك تمثيل ديبلوماسي متبادل بين البلدين . ووقفت جل الدول العربية ضد التطبيع مع إسرائيل في ذلك الوقت ووقف الرئيس نميري ونظامه الحاكم مع حليفه السادات وأيد اتفاقية كامب ديفيد ولم يجرؤ أحد من أركان نظامه أو كوادره في شتى المستويات على مخالفته أو اعتراضه على هذا الموقف . وبمرور الزمن حدثت مستجدات كثيرة ومدت كثير من الدول العربية حبال الوصل مع دولة إسرائيل ومهادنتها وملاطفتها وعدم ابداء أي عداء نحوها والشواهد على ذلك كثيرة, وإن حكومة السلطة الفلسطينية تتعامل مع إسرائيل ورغم الشد والجذب إلا أن بينهما حواراً ممتداً واعترافاً متبادلاً, وهناك مساع دولية لتسوية إسرائيلية فلسطينية ربما تصل لنقطة تلاقي في يوم من الأيام .
وان السودان ظل يحتضن كل مواطن فلسطيني يلجأ إليه ويتيح له العيش الكريم الحر الآمن بين ظهرانيه في وطنه الثاني وليس في هذا غرابة . وللسودان موقف مبدئي من المقدسات الإسلامية في فلسطين وفي كافة الأراضي المقدسة الطاهرة وعلى رأسها أرض الحرمين الشريفين في البقاع الطاهرة بالمملكة العربية السعودية . وإن إسرائيل لا تعتبر السودان من دول المواجهة لبعده الجغرافي عنها ولكن عينها على مياه النيل, ولذلك فإنها تسعى لمد جسور التعاون مع دول المنبع . وقد استعان بإسرائيل متمردو حركة انيانيا قبل توقيع اتفاقية اديس أبابا في مارس عام 1972م واستجابت لطلباتهم ودعمتهم كما صرح بذلك لاحقاً اللواء جوزيف لاقو ، وأيضاً قدمت مساعداتها العسكرية والمادية لمن تسول عندها ( وشحدها) من الحركات المتمردة جنوبية كانت أو شمالية وجزء من الدارفورية .
وليست هناك منافع أو مصالح مشتركة بين السودان وإسرائيل لا تجارية ولا ثقافية ولا رياضية ولا في أي مجال من المجالات وعلاقتهما في هذا الجانب تقف في النقطة صفر، ولذلك لا داعي للتهافت ( وخفة الرأس) والتساقط تحت أقدام إسرائيل . وهذا موضوع سيادي تقرر فيه رئاسة الجمهورية بعد دراسة وتمحيص ويكون دور الوزارات الأخرى تنفيذياً, ونأمل أن تكون رئاسة الجمهورية لجنة تتبع لها رأساً تختص ببحث مستقبل العلاقة مع إسرائيل ووضع دراسة ورؤية متكاملة ويكون قوام هذه اللجنة استراتيجيون وخبراء مختصون في العلوم السياسية والعلاقات الدولية وفي الفقه والاقتصاد وفي كافة المجالات مع إشراك ممثلين لألوان الطيف المختلفة .... الخ لتبنى القرارات على رؤية علمية وعملية واضحة توضح المنافع أو الأضرار والمهم هو اتخاذ أي قرار بلا تخبط وعشوائية وبدون تهافت وتساقط لهثاً وراء علاقة سرابية ضبابية, وفي نفس الوقت ينبغي عدم الغلو والمبالغة في عداء دولة لا تعتبر السودان من أصدقائه ولا من أعدائه الذين يشغلهم عداؤهم لها, ولذلك ينبغي ألا يكون السودان ملكياً أكثر من الملك وكاثوليكياً أكثر من البابا .